التشريعي بديل ،والقتال اصيل ،ولن يوجد عنهما تحويل

التشريعي بديل ،والقتال اصيل ،ولن يوجد عنهما تحويل

د.يونس الاسطل
2005-12-25

لقد رضي الله عن المؤمنين اذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فانزل السكينة عليهم واثابهم فتحا قريبا الفتح لمزنا كثير من رموز السلطة على عدم مشاركتنا في الانتخابات النيابية…

لقد رضي الله عن المؤمنين اذ يبايعونك تحت الشجرة ،فعلم ما في قلوبهم ،فانزل السكينة عليهم ،واثابهم فتحا قريبا " الفتح 18

لمزنا كثير من رموز السلطة على عدم مشاركتنا في الانتخابات النيابية قبل عشر سنين وزعموا اننا لو كنا شهودا في المجلس التشريعي لامكن ان نحول دون التدهور السياسي ،حيث لم تشفع وثيقة جنيف ،ولا خطاب العقبة ،لرئيس السلطة ،ولم تغفر له رفض التنازل التام في كامب ديفيد الثانية ،ولكن تركنا لموطن صناعة القوانين قد افسح المجال للمفسدين ،حتى اذا اتخذنا قرارا بالعدول عن العزوف ،والنزول الى النزال امام الصناديق سلقونا بالسنة حداد ،من مثل اننا اصبحنا باحثين عن الكراسي ،وهذا يبشر بان يكون مصيرنا كمثل الذين من قبلنا ،حيث انتهى بهم المطاف الى ما تعلمون ،بل لقد ذهب بعضهم الى حد اتهامنا بان لنا دينين ،حيث كانت الفتوى - كما يعتقدون- بتحريم المشاركة ،واليوم صارت مباحة ،ومثل هذا الوهم قد ينطلي على الكثيرين ،والواقع انه ليس هناك فتوى ولا ما يحزنون ،انما السياسة الشرعية مبناها على موازنة المصالح والمفاسد ،والعبرة بما غلب ،فلما تفوقت مفاسد المساهمة -بحسب اجتهادنا- في عام 96م قررنا الاعتزال ،وفي هذا العام كانت الامور قد تبدلت ،فكان الميل الى المزاحمة ،ذلك ان التضحيات الجسام في انتفاضة الاقصى قد دفعت الناس للدخول في حماس افواجا ،لا سيما بعد ان جاء نصر الله والفتح ورايت الصهاينة يساقون من غزة زمرا ،فما عاد يجوز لحركة ادهشت العالم بابداعها الجهادي ان تترك الجهلاء والسفهاء يهيمنون على كل شيء ،بينما يكتوي اكثر الناس بمظاهر الفساد الذي اكثروه في البلاد ،وان الله لا يصلح عمل المفسدين ولا بد من التاكيد على ان المواقف المتخذة بناء على الموازنة بين المصالح والمفاسد تتبدل كلما تبدلت اسبابها ،وان كثيرا من وجوه الخير والشر قد تتقارب في قوتها في الامر الواحد ،ويكون بالإمكان الجنوح إلى القرار ونقيضه في آن واحد، فلقد مال رسولنا صلى الله عليه وسلم إلى رأي أبي بكر في مصير أسرى بدر، وكان محتملاً ان يرجح رأي عمر، لكنه آثر اللين حتى كان ألين من اللبن، لذلك فقد عاتبنا ربنا عتاباً قاسياً، بأنه لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم من حيث إنكم تريدون الدنيا، والله يريد الآخرة، ويريد لكم أن تثخنوا في الأرض ، حتى تضع الحرب أوزارها ، ويتحقق الأمن، ويعم السلام ، ولن يكون بغير القضاء على ذات الشوكة من العدو.

ان هذه الاية من سورة الفتح تحدثنا عن البيعة على الثبات او الموت ،تلك التى كانت تحت الشجرة في الحديبية من العام السادس الهجرة حيث كانت عدولا عن المفاوضات السلمية الى قرار الحرب ،فتدافع الصحابة يبايعون ،وقد داسوا الامتعة من العجلة وراح بعضهم يبايع مرتين او ثلاثا ،كلما بايع عاد ليزاحم من جديد فيبايع ،حتى كان الاستعداد للقتال في اعلى درجات الجاهزية ،ولم يكن من اليسير بعد ذلك ان يعودوا الى الهدنة ،لا سيما اذا كانت شروطها في الظاهر لونا من اعطاء الدنية في الدين لولا ان علم الله ما في قلوبهم من الايمان والاخلاص ،فانزل السكينة عليهم ،وكافأهم على ذلك بالفتح القريب ،سواء كان هو صلح الحديبية نفسه ،او كان فتح خيبر بعد اشهر معدودات .

وتتلخص القصة في ان الرسول عليه الصلاة والسلام قد ندب المؤمنين للزحف السلمي الى الحرم لاداء مناسك العمرة بعد ان حيل بينهم وبين الكعبة ست سنين ، في الوقت الذي يملك فيه كل مشرك أن يدخله آمناً، يطوف ويسعى، ويقيم ما شاء الله له أن يقيم، فاستجاب له المؤمنون، وأبطأ عنه الأعراب والمنافقون وهم يعتقدون أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً، وزيّن ذلك في قلوبهم، وظنوا بالله ظنّ السّوء، وكانوا قوماً بوراً ، مع أنهم قد ادّعوا أن شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا، يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.

وما كاد الأربع عشرة مائة يصلون إلى مشارف مكة حتى كانت قريش قد سمعت الأربع عشرة مائة يصلون إلى مشارف مكة حتى كانت قريش قد سمعت بمسيرهم، ووقف صناديدها بكامل عتادهم يمنعوننا من الدنو من البيت العتيق، حتى لا يتحدث الناس أننا دخلناها عنوة.

وقد تنقل السفراء ذهاباً وإياباً لشرح أسباب هذه المظاهرة، وكان أن ذهب مرة عثمان بن عفان رضي الله عنه، فأبطأ الإياب، فسرت شائعة في الناس أن قريشاً قد قتلته، فكان التدافع للبيعة على الموت انتقاماً من الغادرين.

وقد انتهت تلك الوساطات بإبرام اتفاقية هدنة لعشر سنين، تضمنت كثيراً من الشروط المجحفة ، تلك التي انتفض كثير من الصحابة لنقضها، ولم يكونوا راضين عنها، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتساءل لم نعطى الدنية في ديننا، وأبو بكر رضي الله عنه يهدّئ من روعه، ويأمره أن يلزم غرزه، والرسول يقول إني رسول الله، ولست أعصيه، وقد امتنع معظم الصحابة من أن يتحللوا من إحرامهم، بذبح هداياهم، وحلق رؤوسهم استعداداً للقفول، فإن موعدهم مع العمرة قد تأجل للعام القابل في مثل يومهم هذا، غير أنهم تدافعوا لذلك لما أخذ النبي عليه الصلاة والسلام برأي زوجه أم سلمة رضي الله عنها، حيث خرج ولم يكلم أحداً حتى نحر هديه، ودعا حالقه، فقاموا يتأسون به، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً ، وكانت المفاجأة إذ نزلت سورة الفتح تصف ذلك الصلح بأنه فتح مبين، ونصر عزيز ، في حين لم يصف القرآن المجيد الحسم العسكري بأكثر من أنه نصر من الله ، وفتح قريب، وهذا يعني أن الفوز السياسي أعظم من الانتصار بالجيوش والأسلحة.

إن الغرض من هذا المقال هو التأكيد على أن القرار السياسي لا يثبت على حال، فقد نجنح إلى السلم حيناً، فإذا خفنا من عدونا خيانة نبذنا إليه عهده، وعدنا إلى استئناف القتال، فإذا هزم -ولو بالرعب- رجعنا إلى الهدنة أو الذمة، مثلما بدأت الحديبية بالزحف السلمي، وليس معهم إلا السيوف في قرابها، ثم كانت بيعة على الموت، مع أنهم فئة قليلة بالقياس إلى عدد قريش وعدتها، ثم كان العدول إلى المهانة ، فإذا كنا قد اتخذنا يوماً قراراً بالمقاطعة ، كما قاطعنا انتخابات رئاسة السلطة بعد اغتيال الختيار، فلا يعيبنا أن نكرّ اليوم على المشاركة بالمرشحين من الوزن الثقيل.

ولابد من طمأنة الجمهور أننا لسنا متهالكين على التشريعي ، ذلك أننا في مرحلة تحرر بالدرجة الأولى، وإنما جاء خيارنا السياسي ثمناً للتهدئة التي أحسسنا أن الشعب الفلسطيني راغب فيها التقاطاً للأنفاس ، ومن باب استراحة المحارب، فإذا أُفشلت هذه التجربة فزعنا إلى خيارنا المفضل، حيث يبايع نساؤنا ورجالنا تحت الشجرة من جديد، وفاء للأقصى ، وتحريراً للأسرى، وتمهيداً لعودة اللاجئين الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، إلا أن يقولوا ربنا الله، وقد قالها الأستاذ خالد مشعل بملء الفم، إنه لا عودة للتهدئة ما لم يقدم العدو تنازلات حقيقية، وما لم تمض السلطة في سياسة الإصلاح على الأصعدة المختلفة، فليعبث بمراكز الانتخابات من يشاء، وليكرهوا أصحاب القرار على تأجيلها، وليبيتوا إفسادها ، وإحراق الصناديق، فإن ذلك لا يضيرنا في شيء.

والله غالب على أمره، ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026