واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين المائدة حزرت الأنباء عدد القتلى من جراء العنف الذي صاحب…
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } المائدة27
حزرت الأنباء عدد القتلى من جراء العنف الذي صاحب الانتخابات التشريعية في أرض الكنانة بما يناهز العشرة، فضلاً عن الجراحات الكثيرة التي قد تؤول إلى وفاة المزيد، وإعاقة العديد.ذلك أن النظام كان حريصاً على تضييق الخناق على مرشحي الحركة الإسلامية من خلال الاعتقالات الكثيرة ثم بالحيلولة دون وصول الناخبين إلى مراكز الاقتراع، ولو بالرصاص الحي ، وهو ما أدى إلى ارتفاع المزيد من الشهداء في معركة الحرية والانعتاق من التفرد والاستبداد.وعلى الرغم من المضايقات الكبيرة فقد تحدى الشعب المسلم كل الحواجز، ومنح ثقته لمرشحي الأخوان، وضاعف بذلك عدد المقاعد التي كسبوها إلى خمسة أضعاف ما حصدوه في الدورة الماضية، ولولا العقبات من ناحية ، والتزوير من ناحية أخرى، لانتزع الأخوان قريباً من نصف المقاعد، مع أنهم لم يزاحموا في كل الدوائر رغبة منهم في تكريس مبدأ الاقتراع ، وتحاشياً لاستجلاب التجربة الجزائرية.
وفي واقعنا ، فإن الكثيرين باتوا يضعون أيديهم على قلوبهم إشفاقاً من استنساخ التجربة المصرية، في ظل ما نكتوي به من الفلتان والزعرنة، لا سيما في أوساط الملتصقين بالأجهزة الأمنية، وقد تأكد هذا في إفساد الانتخابات الداخلية لأحد الفصائل مؤخراً، حيث بدا أن بأسهم بينهم شديد، وأنك تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، وقد كان من أثره أن نصبح مشفقين من أن ينعكس ذلك في تنافسهم مع الآخرين، لا سيما الحركة الإسلامية، وهي التي يرونها ندّاً حقيقياً في هذه المباراة الحامية الوطيس، حيث إنهم يواجهون حركة منظمة ملتئمة الصفوف، بسبب ما يتمتع به أكثر المرشحين من العزوف عن المشاركة ، لولا مبدأ السمع والطاعة الذي تربينا عليه، وبسبب الزهد في الدنيا الذي هو ركيزة في فكرنا وعقيدتنا.
ولما كانوا لا يملكون إزاءنا إلا التشويه والإفك، فقد بدأت حلمته المسعورة في كل مكان وإننا لنخشى أنه في الوقت الذي يجدون فيه أنها ذهبت هباء منثوراً أن يشتط بهم التفكير إلى انتهاج السبل المعوجة في الحفاظ على مواطئ أقدامهم وتحجيم خصومهم.إن هذه الآية تحدثنا عن اقتراع جرى بين ابني آدم، حين حكم أبوهم عليه السلام في خصومة وقعت بينهم، فأرشد كل واحد منهم إلى التقرب بصدقة من ماله الخاص، وأيهم تقبل الله جل وعلا صدقته فهو المحق، والآخر هو المبطل، وكان من سنة الله في الأولين أن من قُبلت قربته نزلت نار من السماء فالتهمتها، وبقيت صدقات البخلاء والمرائين، ومما يؤيد ذلك قوله تعالى عن اليهود {الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ... } آل عمران183
فلما تقبل من هابيل دون أخيه، فقد توعده قابيل بالقتل، ليستريح من مزاحمته، ويفوز بلعاعة الدنيا التي يختصمان عليها، وقد واجه الأول أخاه بالموعظة، فأخبر أن الله تبارك وتعالى إنما يتقبل من المتقين، وأنه إذا أقدم على قتله فلن يجابهه بمثل ما صنع، فإن المسْلِمَيْن إذا التقيا بسيفيها فالقاتل والمقتول في النار، فعلى كل منهما أن يخاف الله رب العالمين، وأضاف في وعظه { إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ } المائدة 29ذلك أن من اعتدى على الآمنين ، ولم يرد إليهم مظالمهم في الدنيا، أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، خاصة إذا كان ذا طبيعة شريرة قد حبط عمله في الدنيا ، فجاء يوم القيامة ولا حسنة له، وحالتئذ فهو في النار وبئس مثوى الظالمين.إن قلب قابيل كان قد قسى فهو كالحجارة أو أشد قسوة، فلم تلفح فيه الموعظة، وطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله، فأصبح من الخاسرين، ولما لم يكن يعرف كيف يواري الموتى، فقد جعل الله عز وجل الغراب إماماً له، فقد جاء بأخ له قد مات، وبحث له في الأرض، ثم دفنه، فقال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب ، فأواري سوءة أخي، فأصبح من النادمين، ولكنه ليس ندم التوبة، بل الأسف على الجهل بعلوم يعرفها من يتشاءم الناس به من الطير.
إن هذا الخلق الذميم قد أشربه بنو إسرائيل على مدار تاريخهم، فها هم أجدادهم الأولون يقولون {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ }البقرة72 بل إن الإجرام قد هوى بهم إلى دركة قتل الأنبياء والأولياء ، ممن يأمرون بالقسط من الناس، وكان آخر جرائمهم التورط في قتل عيسى بن مريم ، لولا أن شُبّه لهم ولا زالوا يعتقدون بل يفاخرون في أنهم قتلوا المسيح بن مريم رسول الله ، ولكنهم ما قتلوه وما صلبوه.ولا زال هذا الإجرام متأصلاً فيهم، وفيمن والاهم فكان منهم، فقد تنفست الكثير من أخبار الجواسيس أنهم يدربون على القنص، ويقتلون من يطلب إليهم أن يقتلوه قرباناً لأسيادهم شر الدواب عند الله، وهم يورون نار الفتنة، أو ينفخون فيها، حتى تذهب خلافاتنا بريحنا وقوتنا، فيهنأوا ويهنأ المحتلون من ورائهم.وفي بعض الأحداث الأخيرة التي اندلعت في شمال القطاع وفي مناطق متفرقة منه، فقد لُوحظ أن عددا من القتلى كانوا يقنصون بدقة متناهية، وهو ما يورث القناعة بأنهم الخونة يصبون الزيت على النار، ويلوذون بالفرار.
لذلك فالحذر كل الحذر في هذه الفترة التي تسبق الانتخابات النيابية، لا سيما بعد أن تكشفت أسماء المرشحين، وباتوا معروفين، وفيهم منافسون ألداء، وقد يكون بعضهم أو فصيلهم الذي يؤويهم من طينة قابيل الذي تجرأ على نفس أخيه، لأنه غلبه في مباراة القربان، وفي الاقتراع على الأخت الوضيئة إذا صحت الرواية، أو يكونون قد تأثروا بأخلاق اليهود الذين ما زالوا يلغون في دمائنا ، ويقتلون خيرتنا، ويأسرون قادتنا، والعجب أن يطالبنا بعض أصحاب النفوذ أن نقابل كل ذلك بالمهادنة والتهدئة زاعمين أنها خيار الشعب الفلسطيني، وعين مصلحته وهذا غير صحيح، إلا أن يكون هذا الشعب قد اختزل في الحفنة التي تقول {... مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ }، وهي التي ندعو للحذر منها، فإن كراسيهم باتت في خطر، والأسلم لها أن تنسف الاقتراعات من قواعدها، ويبقى ما كان على ما كان ، كما في رفح وأخواتها.