يعاني العالم العربي من حالة ضعف واستضعاف منذ نشأة الدولة القطرية التي اقترب عمرها على القرن اكتمالا واحتسابا حلمن اتفاقية سايكس بيكو وحتى الآن تقريبا وأعني بالضعف العوامل الذاتية…
يعاني العالم العربي من حالة (ضعف واستضعاف)، منذ نشأة الدولة القطرية التي اقترب عمرها على القرن اكتمالاً واحتساباً حلمن اتفاقية (سايكس بيكو) وحتى الآن تقريباً، وأعني بالضعف العوامل الذاتية المضعفة والممزقة والمدمرة التي تعاني منها الأقطار العربية متفرقة ومجتمعة. وأعني بالاستضعاف العوامل الخارجية التي تتشكل بأشكال مختلفة ( سياسية واقتصادية وفكرية) وجوهرها روح استعمارية فاسدة تنطلق من رؤية واستراتيجية تستهدف إبقاء الوطن العربي في حالةٍ لا تسمح له بالعودة إلى المنافسة والمدافعة العامة والعالمية بامتلاك عناصر القوة والاقتدار، لاسيما وأن القراءة الغربية للعالم العربي تقول إنه يملك بمجموعة إمكانيات ذاتية، وروح حضارية متميزة، وهوية مستقلة تؤهله حال الاجتماع تحت مظلة شكل من أشكال التجميع الوحدوي أو التعاوني من العودة بقوة إلى المنافسة العالمية والمزاحمة العالمية، وإن استبقاء حالة التشتت والتمزيق القطري من شأنه أن يقدم ضمانة لفترة زمنية أطول من السيطرة الغربية الأمريكية على المنطقة.
لقد مضت فترة الحروب الباردة التي كانت فيها مركزية الصراع قائمة بين كتابين غربية شرقية، مضت بانتصار العلمانية الاستعمارية الصناعة المتقدمة، والعنصرية الغازية في الوقت نفسه . إنه بتأثير ثقافة الشر والإعلام الصهيوني بحث الفكر الغربي بعد انهيار الكتلة الشرقية عن عدو قائم أو ممكن فجسده ظلما بحسب شهوته في العالم العربي والإسلامي، لأن تاريخه العالم العربي والإسلامي وتراثه فيه قوة كامنة في ذاته تؤهله أن يبدأ من جديد في ممارسة دور فاعل ومؤثر على المستوى العالمي، وبالذات على المستوى الثقافي والقيّمي، إن لم يكن على المستوى المادي الصناعي.
إن حالة المدافعة والمغالبة بيننا كعرب ومسلمين وبين الغرب بثقافته الاستعمارية وتقدمه المادي في ظل قيم يراها هو مرجعاً له ولسائر دول العالم بعد أن كثفها في شعارات ( الديمقراطية، ومشاركة المرأة، وفصل الدين عن الدولة ) تجسد الامتداد الطبيعي لمرحلة الاستقلال المعاصر والكفاح ضد الاستعمار، وتحديداً في نصف القرن الأخير منذ 1952م وحتى تاريخه.
أو قل إن حالة الحوار والتعاون بين الحضارتين ( الغربية والعربية الإسلامية ) وما زالت غائبة أو متعثرة، ولم تسجل الأحداث السياسية والاقتصادية على مدى نصف قرن تقريباً نجاحاً جوهرياً في مجال الحوار والتعاون رغم مؤتمرات الشراكة والتعاون في برشلونه، ومنتدى الدول الصناعية الثمانية، ومنتدى باريس، وغيرها... إذ ظلت السياسة الغربية تحافظ على نسبة التفوق التي تريدها، والتي تضمن لها مستقبلاً خالياً من تحدٍٍِ عربي إسلامي حقيقي.
وفي هذا السياق أوجد الغرب إسرائيل وقدم لها من المساعدات ما يضمن به تفوقها على الدول العربية مجتمعة في المجالين العسكري والصناعي وأسند إليها وظيفة استراتيجية ما زالت تقوم بها منذ تأسيسها وحتى اليوم، ومنها تمزيق العالم العربي وإضعافه. وفي هذا السياق نقرأ غزو العراق وتدميره، وتهديد إيران وسوريا، والمبالغة في الحرب على الإرهاب وإلصاقها بالجماعات الإسلامية، ومن ثمّ عند البعض بالإسلام، مع أنه لا يخفى على منصف أن الإرهاب اليوم هو ظاهرة عالمية أنتجتها مظالم متنوعة. وفي هذا السياق نقرأ حرمان العالم العربي من التكنولوجيا العلمية المتقدمة في مجالات الصناعة عامة، وصناعة الأسلحة خاصة، وعمل كل ما من شأنه إبقاء العالم العربي في إطار التبعية، والسوق الاستهلاكية، وتفريعات هذه السياسة أكبر من أن يحصرها مقال موجز.
إنه إضافة إلى ما تقدم يمكن القول إن للغرب (شأن نسبي على الأقل) في غياب إطار عام يجمع الأقطار العربية في شكل اتحاد، أو وحدة، أو سوق جامعة، حتى إن الجامعة العربية ليست إلا شكلاً ضعيفاً لا يملك آلة تجميعية، أو آلة فض منازعات، أو آلة إنجاز شيء كبيرة على مستوى التحديات الحقيقية للخروج من حالة الضعف والتمزق والتبعية، وهنا يتزاوج العامل الذاتي بالعامل الخارجي زواجاً مقصياً لكل جهد على موضوعي لإخراج العامل الذاتي من حالة الضعف والاستضعاف التي يطلق عليها في الخطاب الإعلامي ألفاظا مزرية وإن كانت حقيقية.
العام 2005م كان سوداوياً لأنه تتويج طبيعي لحالة تراكمية مليئة بالفساد والتدخلات بدأت مع الحقبة الاستعمارية ونشأة الدولة القطرية، والانفصال عن الأصول والتراث، ثم النظر إلى الغرب نظرة انبهار، وإلي النفس نظرة استخزاء. ومن ثم لا يمكن القول بأن سوداوية عام 2005م تمثل حالة مفاجئة أو طارئة أو هابطة من السماء هبوط الأعاصير، أو متفجرة تفجر الزلازل، وإنما هي بما كسبت أيدينا، وبما خططه المستعمر لنا، وعليه لابد من التفكير في استراتيجية منقذة مزودة ببرامج متدرجة تسمح بتحسين الأوضاع وإصلاحها تمهيداً للوصول إلى الهدف الكبير، وهو أن نكون عرباً وأن نكون مسلمين، وأن نكون أصحاب هوية مميزة، وأصحاب حضارة متجددة تحمل خصائصنا، لنصبح رقماً مهماً ومعتبراً في السياسة الدولية، فلا تقتضي الأمور العالمية والمحلية بغيابنا وكأننا لا وجود لنا، كما هو حاصل الآن، ومنذ نصف قرن أو يزيد.
يبدأ الحل ببناء الذات، وأول لبنات البناء النية والإرادة، وتحديد الأهداف والوسائل، وقراءة المعوقات قراءة سليمة وموضوعية، ووضع الحلول المناسبة، ولا يمكن بناء الذات في غياب الحريات، والحياة الديمقراطية (أو الشورية) وفي ظل الديكتاتورية والإقصاء، ومن ثم لا بد من تقليص مساحة السجون وقصرها على المجرمين والشواذ، وإصلاح النظام السياسي بشكل عام، وبث الوعي المتكامل والإيجابي في الجماهير والشعوب لتكون السند الأول للنظام الحاكم وسياساته، وهذا من شأنه أن يضيق دائرة العمالة للخارج ودائرة الاستغراب، ودائرة الاستقواء بالأجنبي على الوطن، ودائرة الفرار إليه لاسيما من جانب العلماء والخبراء إضافة إلي السياسيين. إن من شأن بث الوعي بين الشعوب والجماهير أن يقف سداً منيعاً أمام الغزو الفكري المفسد للشخصية إنْ على مستوى الفرد أو الوطن، وفي المقابل من شأنه أن يبعث التراث ويحيي روح التمسك به، ويعلي من شأن الذات، ويفرضها على الآخر بأسلوب حضاري لا يركن إلى القوة أو الصراخ.
إن مسألة الحديث النظري في الحلول الممكنة والمجدية والصالحة ليست من الأمور المعضلة التي يعسر على العلماء والخبراء وضع استراتيجيات متكاملة لها، ووضع برامج مفصلة لتنفيذها، إنما المشكلة في هذه المسألة تقع في إطار حجم القناعة والإرادة لدى القادة والملوك والرؤساء وأصحاب السيادة على التجاوب مع الاستراتيجيات والبرامج ووضعها موضع التنفيذ، وهو أمر يحتاج إلى صبر على الذات، وكبح جماح روح التفرد، والاستهلاك، وبث روح العمل الجماعي والشورى، وهو أيضاً أمر يحتاج إلى توفر قناعة لبناء مجتمع وثقافة وحضارة عربية إسلامية تتحاور مع الحضارات الغربية والشرقية في العصر الحديث من أجل تحقيق المصالح الإنسانية العامة وإرساء قواعد حقوق إنسان متساوية ومعترف بها بغض النظر عن جغرافية المكان، أو مسمى الحضارة، أو جنس المستفيد.
إن نقطة البدء في الحل ليست نظرية فكرية، وإنما هي عملية واقعية، قابلة للتنفيذ، وهنا يمكن أن نصح بالتدرج في الإنجاز بحيث يبدأ أصحاب القرار بالممكن، بحيث لا يمضي يوم أو عام إلا ويكون خيراً مما سبقه في هذا المجال، وأن يكون جزءاً من البرامج والاستراتيجيات المقرة، لا ضرب عشواء، وأحسب أن مسافة التخلف وإن كانت كبيرة فإنه يمكن تجاوزها في سنوات معدودة بعد أن نعترف أنه لا جدوى من طمر الرءوس في الرمال وأن حالة التخلف، والهزيمة، والتبعية للغرب ليست قدرا لا يمكن الخروج منه. إن حالة الضعف والاستضعاف ليست قدراً أو واقعا يستعصي إيجاد حل له، لأن بعض ما نحن فيه هو من صناعة أيدينا, وبعضه مما فرضه الغرب علينا في فترة زمنية كنا فيها غافلين.