أ د أحمد محمد بحر الجامعة الإسلامية غزة لقد كرم الله الإنسان بالهداية إلى نور الإسلام واختار سبحانه لحمل هذه الأمانة رجالا صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر…
أ. د. أحمد محمد بحر
الجامعة الإسلامية - غزة
لقد كرَّم الله الإنسان بالهداية إلى نور الإسلام، واختار سبحانه لحمل هذه الأمانة رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً ، فانتشر الإسلام في أقل من نصف قرن في أكثر من نصف الكرة الأرضية فساد العدل والحرية والمساواة، وعم السلام والاطمئنان والود والحب بين الناس فكانت كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.
إن سر قوة المسلمين يكمن في وحدهم وتحاببهم " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" الحجرات آية10.
جاء في تفسير ابن كثير أن هذه الآية نزلت في شأن (الأوس والخزرج) وذلك أن رجلاً من اليهود، مر بملأ من الأوس والخزرج، فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة، فبعث رجلاً معه وأمره أن يجلس بينهم ويذكرهم ما كان من حروبهم يوم بعاث وتلك الحروب ففعل، فلم يزل ذلك دأبه حتى حميت نفوس القوم وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا ونادوا بشعارهم، وطلبوا أسلحتهم، وتواعدوا إلى الحرَّة فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وسلم) فأتاهم فجعل يسكنهم ويقول أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ وتلا عليهم هذه الآتية وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ، فندموا على ما كان منهم واصطلحوا وتعانقوا، وألقوا السلاح رضي الله عنهم أجمعين.
لقد حذر القرآن من التنازع والاختلاف فقال سبحانه وتعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ " الأنفال آية 45.
فالتنازع سبب الفشل وذهاب القوة والهيبة والتدابر والتباغض يورثان الحقد وسوء الخلق لذا أمرنا الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم) بالترفع عن هذا كله فقال " لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخواناً ، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث " وقوله (صلى الله عليه وسلم) والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم " ، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ،والمسلمون تتكافئ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم .
روي أنه لم تفاقم الخلاف بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، وبالرغم مما شجر بينهم وانهزام معاوية في كل معركة خاضها ضد علي رضي الله عنه ورغم شعور معاوية بالخطر المحيط به من كل جانب فلم يخرج رضي الله عنه عن جادة الصواب، فقد أراد ملك الروم أن يستغل هذه الفرصة فأرسل إلى معاوية يقول له بلغنا ما وقع من اعتداء عليك من صاحبك علي مع أنك أحق بالخلافة منه، فإن شئت بعثنا إليك أسطولا من رجالي يعيدون الأمر إليك ويثبتون في الأمر أقدامك ويكون لك خير جنود وأصدق أنصار. ولم يتردد معاوية وكتب إليه مكانك فوالله لو وطئت شبراً واحداً من أرض الإسلام لأبايعن علياً على حربك، ولما تدانى ملك الروم من بعض البلاد الإسلامية كتب إليه معاوية والله لإن لم تنته وترجع إلى بلادك لأصطلحن أنا وابن عمي عليك، ولأخرجنك من جميع بلادك ولأضيقن عليك الأرض بما رحبت وعليه فقد خاف وانكشف ورجع ذليلاً مقهوراً.
هؤلاء هم أهل الإيمان الذين تولى الله برحمته تأليف قلوبهم فقال " وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " الأنفال آية 63.
هذه هي الأمة التي وحدت كلمتها ورصت صفها وجمعت شملها فأذلت الأكاسرة وأهانت القياصرة، وغيرت مجرى التاريخ فاستحقت بحق قيادة البشرية واستاذية العالم. ولما ابتعدت عن مصدر عزها ومنبع شرفها وكرامتها تفرقت شيعاً وأحزاباً وأصبحت قصعة مستباحة لكل الطامعين كما في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث ثوبان أنه (صلى الله عليه وسلم) قال توشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل من قلة نحن يومئذٍ ؟ قال بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور أعدائكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن، فقالوا وما الوهن يا رسول الله قال حب الدنيا وكراهية الموت.
يروى لنا كتاب التاريخ أن الصليبيين ما استطاعوا أن يسيطروا على الشام وفلسطين إلا بعد التفكك والانقسام الذي أصاب الدولة السلجوقية بعد موت السلطان ملكشاه يروي لنا ابن الأثير في كتابة الكامل أن الصليبيين احكموا سيطرتهم على مدن فلسطين غير أن عسقلان ظلَّت عصية عليهم وكان المصريون (الفاطميون) يرسلون لها كل عام الذخائر والرجال والأموال وكان الفرنج يقصدونها ويحاصرونها كل عام فلا يجدون لها سبيلاً ولم تسقط عسقلان بأيدي الفرنج إلا في عام 1153م 548هـ وكان أهلها قد ردوا الفرنج مقهورين في ذلك العام، وعند أيس الفرنج وهموا بالرحيل أتاهم خبر أن خلافاً وقع بني أهلها فصبروا وكان سبب الخلاف أن أهلها لما عادوا قاهرين منصورين ادعت كل طائفة أن النصرة كانت من جهتها فعظم الخصام بينهم إلى أن قتل من إحدى الطائفتين قتيل، واشتد الخطب وتفاقم الشر ووقعت الحرب بينهم فقتل بينهم قتلى !! فطمع الفرنج وزحفوا إلى عسقلان وقاتلوا فلم يجدوا من يمنعهم.
وصدق الله العظيم " وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ " الأنفال آية 46.
وهكذا فإن الهزائم تأتي من عند أنفسنا أو نصنعها نحن بأنفسنا " أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " آل عمران 165.
إن ما نسمعه ونراه اليوم في بيت حانون لا يكاد المرء يصدق نفسه أن إخواننا في بيت حانون الذين صمدوا في وجه العدوان الصهيوني وأذاقوه الويلات وكبدوه الخسائر في الأرواح والمعدات يقتتلون اليوم !! وهل يعقل أن الذين قدموا أرواحهم وأموالهم وبيوتهم ومزارعهم في سبيل الله يقتتلون اليوم !! هل يتصور أحد أن أهل الصمود والتحدي أهل العزة والكرامة والنخوة يقتلون اليوم !! الله أكبر الله أكبر يا أهل بيت حانون الكرام !! فأنتم الرجال حين عز الرجال، وأنتم المجاهدون في ساعة العسرة، أنتم العمالقة في زمن الأقزام .. يا أهلنا يا إخواننا نناشدكم بالله العلي العظيم رب العرش العظيم رافع السموات بلا عمد أن توقفوا نار الفتنة بينكم نناشدكم بالله أن تصونوا دماءكم وأموالكم وأعراضكم وزراريكم من أن تستباح ونذكركم بقوله (صلى الله عليه وسلم) لهدم الكعبة حجراً حجراً أهون على الله من قتل امرئ مسلم بغير حق يا أهل الإصلاح يا أهل الخير أيها المخاتير أيها الوجهاء يا شعبنا الفلسطيني إنها والله ليست مصيبة أهل بيت حانون بل مصاب الشعب الفلسطيني كله فلنتحرك جميعاً صفاً واحداً وقلباً واحداً من أجل إنهاء هذه الفتنة لكي يحل الحب والوئام والاطمئنان محل البغض والخوف والخصام من خلال تحكيم شرع الله وما ذلك على الله بعزيز " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ".