إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير الممتحنة كلما أزفت…
"إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء، وودوا لو تكفرون، لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم ، يوم القيامة يفصل بينكم ، والله بما تعملون بصير" الممتحنة (2 ، 3)
كلما أزفت الانتخابات التشريعية نشطت الجهود التشهيرية للنيل من الحركة الإسلامية، ومن المتوقع بعد إماطة اللثام عن قوائم المرشحين أن تصوب إلى الكثير منهم سهام الطعن، وتلطيخ التاريخ، لعلهم بذلك يحدون من اندفاع الناس لمنح الثقة لقوائم التغيير والإصلاح التي تحتضنها حركة المقاومة الإسلامية.
وقد شرعت آلة الإشاعة في نسج الأكاذيب، وانتحال الأقاويل، واستدرار الخيال في قصص لا أصل لها، دون وازع من دين أو خلق، فلاهم يخشون ربهم، ولا يخافون سوء الحساب.
إن حرب الأفواه هذه تنفع من اتخذوهم غرضاً أكثر مما تسيء إليهم، ذلك أن المستمعين بين مستجيب ومنكر، ولسوف يثمر هذا حواراً أو جدالاً بين الفريقين، فإذا تكشفت الحقيقة كان ضحايا الإشاعة أكثر إيماناً بعفة المقذوفين، فانقلبوا أكثر ثقة فيهم، وولاء لهم، ولو لم يكن في ذلك الرجم بالغيب إلا ذيوع أسماء المرشحين على ألسنة الناس لكفى ذلك دعاية لهم في مشارق الأرض ومغاربها التي بارك الله فيها للعاملين.
لكن الذي نوجس منه خيفة ألا تقف العداوة والبغضاء عند حد الشتائم والسباب، ولا عند التراشق بالألسنة والأقلام، فإن في ديارنا من يفسد فيها، ويسفك الدماء لمن يسبح بحمد ربه، ويقدس له، لعلهم إن قتلوا يوسف، أو طرحوه أرضاً، يخل لهم وجه المجلس، ثم لا يعنيهم من بعده أن يكونوا قوماً صالحين.
إن هذه الآية قد نزلت في التعقيب على صنيع الصحابي الجليل حاطب بن أبي بلتعة، إذ كان من القلة الذين أطلعهم الرسول عليه الصلاة والسلام على نيته بالتوجه لفتح مكة، تأديباً للغادرين ، وزجراً لكل من سولت له نفسه نقض عهده مع المؤمنين.
وقد كان لحاطب رضي الله عنه بمكة أرحام من الأخوة ، ومعهم أمهم ، فأشفق أن يميل عليهم أهل مكة ميلة واحدة حينما ندخلها عليهم من أقطارها، فاجتهد أن يصنع عندهم يداً، يدفع الله عز وجل بها غيظ قريش وبأسها عنهم، فكتب كتاباً إلى رجال من قريش يكشف لهم عن نية رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوهم، وبعث بها مع ظعينة كانت قد خبأتها في عفاصها، أو عقاصها، وقد كشف الوحي أمر حاطب، وأدركت المرأة في بعض الطريق، وجئ بالكتاب ، ولولا شهود حاطب رضي الله عنه بدراً، وبلاؤه فيها بلاء حسناً، لاستجاب النبي عليه الصلاة والسلام لعمر رضي الله عنه، إذ هز سيفه مستأذناً في ضرب عنقه.
وقد جاءت هاتان الآيتان تكشف عن المصير الدنيوي الذي ينتظر حاطباً وأرحامه والمؤمنين لو تمكن كفرة قريش من رقابهم بالنصر والأسر، ثم المصير الأخروي ، حيث لا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، فهو يوم الفصل الذي تأتي فيه كل نفس تجادل عن نفسها، ويفر المرء فيه من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، فلا يجزي والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً، ولا يغني مولى عن مولى شيئاً ولا هم ينصرون، كما أن فيه مواقف لا يذكر فيها المرء إلا نفسه، كساعة تطاير الكتب، ولحظة انتصاب الميزان، وعند اجتياز الصراط ليرى هل يكون من الذين نجوا ام ممن وذرهم ربهم فيها جثيا ، فان من زحزح عن النار ،وادخل الجنة ،فقد فاز ،وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور.
ان الاية الاولى تنبئكم انهم ان يقفوكم ،ويتحكموا في رقابكم ،فلن يرقبوا فيكم الا ولا ذمة ،ولسوف تعرفون ان ما يكنونه من العداوة والبغضاء اكبر مما بدا من افواههم ،ولن يقتصر نكالهم على بسط السنتهم بالسوء ،انما يجمعون بين بسط الايدي وبسط الالسنة كذلك ،اتلافا للابدان ،وتمزيقا للاعراض .
وقد عبر هذا بالبسط للاشارة الى طول الاهانة وسعتها ،فهو مستعار للكثرة ،كما ورد في سورة المائدة ان بسط الايدي قد يصل الى حد القتل ،فهذا ابن ادم الوديع يخاطب اخاه الشرير ،فيقول "لئن بسطت الي يدك لتقتلني ما انا بباسط يدي اليك لاقتلك اني اخاف الله رب العالمين " المائدة 28
واما قوله تعالى "وودوا لو تكفرون "فيكشف عن رغبة دائمة عندهم ان يردوكم من بعد ايمانكم كفارا ،حسدا من عند انفسهم ،وان ذلك ليس مرتبطا باسركم ،بديل المغايرة بين الافعال ،فقد عبر هنا بالماضي بينما كانت من قبل مضارعة ،وهو ما يعني انهم تمنوا ذلك قبل ان يتمكنوا منكم ،فكيف لو خضعت لهم اعناقكم؟!
فهل يليق بكم بعدما علمتموه من سوء العاقبة لمن والى الاعداء حرصا على الارحام والابناء في الدنيا بالقذف والقتال ،وفي الاخرة بالانفصال والانكال ،ان يظلوا مصرين على اتخاذهم اولياء تلقون اليهم بالمودة ؟! الم تعلموا ان اباكم ابراهيم والذين معه قد قالوا لقومهم انا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله ،كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء ابدا حتى تؤمنوا بالله وحده ،حتى ان سيدنا ابراهيم قد تبرأ من ابيه شخصيا ،ذلك أنك لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا اباءهم ،او ابنائهم ،او اخوانهم ،او عشيرتهم ،وفي المقابل فانه ان كان اباؤكم وابناؤكم واخوانكم وازواجكم وعشيرتكم ،واموال اقترفتموها ،وتجارة تخشون كسادها ،ومساكن ترضونها ،احب اليكم من الله ورسوله ،وجهاد في سبيله ،فتربصوا حتى ياتي الله بامره ،فيعذبكم عذابا اليما ،ويستبدل قوما غيركم ،ولا تضروه شيئا .
لذلك فالمطلوب البراء وقطع الولاء للذين قد بدت البغضاء من افواههم ،وما تخفي صدورهم اكبر ،حتى لو ذهبوا يرضونكم بافواههم ،فان قلوبهم تابى مودتكم او معاملتكم بالعدل ،فانه انما يبكي على الحب النساء ،كما ان ذلك يتجلى في هذه الايام في عدم منحهم الثقة ،وفي قطع جميع انواع المساعدة فيما يتعلق بالدعاية والانشطة الانتخابية ،ولو كانت مدفوعة الاجر ،فانه جهد في تكريس العلمانية ،والتنسيق الامني مع الصهاينة ،والسعي للتطبيع معهم ،بان نستمرئ الاحتلال ،ونتأسى بهم في منهج حياتهم ،ونرضى بهامش الحياة الذي يمنون به علينا مع ادانة المقاومة ،ووصمها بالارهاب ،والسكوت عن العذاب الذي ينزله الصهاينة بالاسرى والمسافرين ،بل والمقيمين في المدن التى اعيد الانتشار فيها ،بل ان غزة التى اخرجتهم منها المقاومة الاسلامية والوطنية اذلة وهم صاغرون لا زالت تودع شهداءها من اثر القصف الجوي ،او القنص البرجي للذين يقتربون من حدود القطاع مسافة تصل الى ثلاثة ارباع الكيلو في شرق القطاع وشماله كما ان الحذر واجب في المرحلة القادمة من خلط الاوراق تعكيرا على المنافسة التشريعية ،وخاصة المرشحون المضطرون لزيادة الحركة والاتصال بالناس شرحا لبرامجهم ،ودعاية لمناهجهم ،وبرهنة على انهم اهل القوة والامانة ،الاحق بان يتقدموا للخدمة ،وانقاذ البلاد والعباد من الفساد الذي طغى في البلاد ،حتى في بغي قارون على قومه في الاسعار والرشاوي والرتع في المال العام ،والاستيلاء على المستوطنات ،ومخلفات الاحتلال ،وغير ذلك من الفعال
والله من ورائهم محيط