المهندس

المهندس".. فِعل بلا كلام

صلاح حميدة
2014-01-06

جدول عادي حضرت ذكرى اغتيال المهندس يحيى عياش هذه السنة في خضم الذكريات النضالية والثورية التي تزدحم بها الذاكرة الشعبية الفلسطينية وتصادف حلول الذكرى الثامنة عشرة في وضع محتقن…

 حضرت ذكرى اغتيال "المهندس" يحيى عياش هذه السنة في خِضَمِّ الذكريات النّضالية والثورية التي تزدحم بها الذاكرة الشعبية الفلسطينية، وتصادف حلول الذكرى الثامنة عشرة في وضع محتقن ويعاني من احتباس مصيري للشعب الفلسطيني، ولاحظت من خلال متابعتي للحالة الفلسطينية أنّ ذكريات الانتفاضة الأولى وذكريات أخرى منها ذكرى اغتيال "المهندس" لها وقع وتفاعل كبيرين في الأوساط الشعبية والإعلامية الفلسطينية هذه السنة، وهذه حالة ملفتة تدلل على مدى حضور تلك الذكريات في الوعي الشعبي الفلسطيني في هذه الفترة تحديداً، وتوحي بما قد يكون عليه المشهد الميداني والسياسي في الأيام القادمة.

عايَشَ أبناء جيل الانتفاضة الأولى تجربة "المهندس" ولمسوا أثرها واقعاً في حياتهم، فقد تطورت تلك الحالة لتشكل حلقة صلبة في تاريخ الثورة الفسطينية بالتوازي مع تطور الفعل الثوري لحركته الفَتِيَّة "حماس" ، وبالتالي لا يمكن دراسة تجربة "المهندس" دون قراءة مستفيضة لتجربة حركة "حماس" والانتفاضين - الأولى والثانية- والعكس صحيح.

شكّلت إبداعات "المهندس" التقنية المستحدثة "طفرة" في العمل المقاوم للاحتلال، ما لبثت أن تحوّلت إلى "مدرسة " أزعجت الاحتلال وأدمته وخاضت معه حرباً طاحنة، بلغت ذروتها في انتفاضة الأقصى. هذا التحوّل إلى العمل المؤسسي الممنهج وجد تعبيره خلال حياة "المهندس" وتجلّى في إعلان "تلاميذ المهندس" عن مسؤوليتهم عن تنفيذ عمليات مشابه لأستاذهم بالاتصال بالتلفاز الإسرائيلي خلال تغطيته الحيّة لتلك العمليات، وأدرك أصدقاء وأعداء "المهندس" حينها أنّ هذا النمط المقاوم لم يعد حكراً على شخص ينتهي باغتياله، وأنّ القادم أصعب على الاحتلال، وهذا ما تجلّى واقعاً خلال انتفاضة الأقصى.

أطلق الاحتلال لقب "المهندس" على يحيى عياش ليس لكونه خريج كلية هندسة، ولكن لتمكنه من هندسة وتصميم نوع فريد من القنابل البشرية - وغير البشرية - لم تكن معهودة لهم من قبل، وشكلت فارقاً خطيراً في طبيعة الصراع مع الشعب الفلسطيني، فقد أزعجهم وأدماهم وأرهقم، ولكنّه دفعهم – مرغمين – للانبهار والإعجاب به وتلقيبه ب"المهندس" وليس "مخرباً" ولا " إرهابياً" كما جرت العادة.

وقد بنى "المهندس" تجربته الخاصة في "المطاردة" وامتلك قدرات متميّزة على التخفي والتملّص والإفلات من الاحتلال، وهي قدرات لم يتمكن منها الكثيرون من قادة المقاومة المطاردين من الاحتلال، فكيف بالمهندس الذي لم تترك مخابرات الاحتلال وجيشه حجراً إلا قلبته بحثاً عن ما يدلّها عليه، وشكل تخفيه مثل رجال الدين في الدولة العبرية هاجساً لدولة الاحتلال، لأنّه يتخفى بطرق غير معهودة، وتسهل له التنقل والإفلات من كمائن الاحتلال، حتى بات "المهندس" شبحاً يطاردهم بدلاً من أن يطاردوه.

مثل "المهندس" للشعوب المقهورة – وخاصة الشعب الفلسطيني- أيقونة للمقاومة والتفاني من أجل بلسمة جراحهم، بل مثل حالة إبداعية في ظروف يائسة ومستحيلة، وكان أهالي شهداء مجزرة الحرم الابراهيمي في الخليل على موعد مع وعد "المهندس" لهم بأنّ الحداد سيعلن في دولة الاحتلال مثلما أُعلن بين الفلسطينيين، ورسم البسمة على وجوههم، وأدرك الاحتلال أنّ جرائمه لها ثمن سيسدده على يدي "المهندس"، وكل من عايش تلك الفترة لاحظ الأثر المعنوي لعمليات "المهندس" على جموع الشعب الفلسطيني، بل لاحظ كاتب هذه السطور الأثر المعنوي والسّمو الروحي واستسهال واستصغار التضحية في شخصيات مساعدي "المهندس" الذين وقعوا في الأسر خلال اعتقاله في تلك الفترة في سجون الاحتلال، ولم يكن بينهم يائساً ولا نادماً ولا محتاراً، وأدرك حينها أنّ هذا الرجل استثنائي و غرس في مساعديه صفات فريدة.

كان "المهندس" كثير الفعل قليل الكلام، وكانت هذه صفته الدائمة – حسب القريبين منه - ولم يكن يحب الظهور الإعلامي، وكانت أفعاله ونضالاته من أجل شعبه هي التي تتحدّث عنه، ولذلك لم يكن له إلا صورة يتيمة وشهيرة بحطته الحمراء، وهذا ما أدى لصدمة هائلة أصابت الشعب الفلسطيني ومحبيه عند الإعلان عن نبأ اغتياله، وكأنّ النّاس على رؤوسهم الطير، هائمون في الشوارع لا يدرون ما يفعلون ولا ما يقولون، وسادت حالة من الغضب الشعبي العارم والمسيرات الهادرة عموم المحافظات والمدن الفلسطينية والعربية وغير العربية، مسيرات تاريخية لم يكن لها مثيل، هتفت كلها بالانتقام لل "مهندس" وكانت أول مرة يطلق فيها شعار "الانتقام الانتقام يا كتائب القسام" وفي تلك اللحظات الحاسمة في تاريخ الأمة كان أحد رفاق يحيى عياش يقف أمام زوجته ويحمل طفليه، وقرر أن يحمل على عاتقه مسؤولية جباية ثمن اغتيال رفيقه من الاحتلال، ولا يزال هذا الشخص أسيراً لدى الاحتلال، إنّه حسن سلامة.

ربما تكون هذه الفترة مناسبةً لإعادة كتابة تاريخ تلك المرحلة من تاريخ الشعب الفلسطيني، بعيداً عن الارتجال والتمجيد، في ظل وجود الكثير من مساعدي "المهندس" خارج السجن، فالمحاولات السابقة لتأريخ مرحلة "المهندس" لم تكن بالعمق التحليلي الكافي للظاهرة، واكتفت بسرد القصص والأحداث، وربما لم تكن بالمستوى المطلوب لتشكّل بحثاً علمياً شاملاً.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026