جدول عادي يسعون دوما لكشف سترها وتعرية مفاتنها أمام العالم يأكلون لحمها وهي مازالت حية ترزق يحاصرونها يقطعون عنها المحروقات يحرمونها الكهرباء غزة تجوع بما تحمله الكلمة من معنى…
يسعون دومًا لكشف سترها وتعرية مفاتنها أمام العالم, يأكلون لحمها وهي مازالت حية ترزق, يحاصرونها, يقطعون عنها المحروقات، يحرمونها الكهرباء, غزة تجوع بما تحمله الكلمة من معنى؛ لتبقى أداة من أدوات التسول وجني الأموال وتحصيل المكاسب الحزبية حتى الشخصية.
غزة عرضت لنكبة جديدة تضاف إلى نكباتها التي تتقلب صفحاتها منذ سبع سنوات، هي عمر الحصار الظالم الذي يفرضه الاحتلال على القطاع، ويمارسه الأشقاء العرب بكل دقة وأمانة متناهية تماشيًا مع رغبات المحتل, وأصعب ما في الأمر أن رئاسة السلطة الفلسطينية تنحاز إلى الاحتلال بحصاره على غزة، وتتعامل معها كأنها كيان معادٍ.
غزة تعرض لكل أشكال الإجرام: الحروب التي يشنها عليها الاحتلال، وكان آخرها حربي "الفرقان" و"حجارة السجيل"، والتوغل، وحملات الاغتيالات التي تطال قادتها السياسيين والعسكريين.
تعرض دومًا هذه البقعة الصغيرة من الأرض الفلسطينية إلى الإجراءات القمعية والإجرامية كافة، من: حصار ودمار وحروب واغتيالات، وحملات إعلامية لا تقل فتكًا عن قذائف الاحتلال المدفعية ولا صواريخ طائراته الحربية.
معبر يغلق على شعب، وحينما يفتح تتعطل حواسيبه, شعب يدفع ثمن الكراهية الحزبية بين الأطراف المحيطة به يراد منه أن يكون الأداة التي تسقط أعداء النظام القائم بمصر, وأن يرضي الاحتلال بعنجهيته, وأن يحمل عباس وسلطته على الأعناق وهي عائدة للتحكم بغزة أرضًا وشعبًا.
حتى نكبته الطبيعية الكارثة التي أصابته استغلت لتكون أبشع أداة يمكن تسليطها على رقاب شعب يعرض للموت غرقًا، في وقت يفتقر فيه لأبسط مقومات الحياة بفعل حصار جاثم على صدره منذ أعوام.
كانت الصورة قاتمة قبل أن تنقشع الغيوم السوداء التي حجبت غزة عن الكون وعزلتها عن العالم أكثر مما هي معزولة, ومع غرق شوارعها وأحيائها ومساكنها ومناطقها لم يترك الاحتلال لها متنفسًا؛ فزاد من صعوبة الأوضاع، ففتح عليها السدود طمعًا بأن تتحقق أمنيتهم غرق غزة في بحرها، ولكن هذه المرة بفعل الأمطار والعواصف التي اجتاحتها.
مجتمع دولي أعمى أصم, كان خارج التغطية إزاء ما يحدث بغزة، فلم يسعفها أو يناشد لإسعافها, وطن عربي كبير ضاق ذرعًا بغزة؛ فلم يسمع له صوت ولم يشاهد له تحرك، ولو من باب الإنسانية، أو الندية بالتعامل حينما تصاب إحدى الولايات الأمريكية بكارثة، أو أي بقعة أخرى من العالم.
تحركت قطر لتخترق صمت العالم، الذي كان يرقب ويتابع ما يجري بغزة دون حراك، وكأنه جثة هامدة أصيبت بالشلل، فلا حراك فيها سوى تلك العيون التي ترى ما يجري بغزة دون ردة فعل طبيعية لنجدة شعب يغرق بصمت، ويموت محاصرًا، مع أنه لا يزال يقف على قدميه؛ ليموت شامخًا عزيزًا رافضًا الذل والمهانة.
مليارات يقدمها وطننا العربي الكبير للغرب في أي كارثة تصيبه: جسور جوية, وقوافل إغاثة تسير بلا انقطاع؛ حتى تعيد الأماكن إلى أفضل ما كانت عليه قبل نكبتها.
غزة التي كانت ترقب عبر الإعلام جولات رئيس سلطتها بالضفة وهو يزور المخابز الدافئة، وبعض الأماكن الأخرى، في (بروتوكول) إعلامي رائع يجسد قلق عباس على رعيته بالضفة؛ غزة كانت خارج سياق معادلته، والأدهى أنه لم يوافق على تمرير المحروقات إلى محطة الكهرباء المتوقفة بالكامل منذ قرابة الشهرين، إلا بعدما تقاضى عشرة ملايين من دولارات قطر، ضريبة عن هذه المحروقات.
غزة باتت الكاشفة لكل من سقط في أخلاقه وضميره؛ لتنزع أقنعة الوجوه الباسمة الضاحكة؛ لتكشف حجم البشاعة خلفها, ولتكشف نوايا مبيتة معادية لها ولسكانها الأشاوس، الذين لا يغترون بتلك الأقنعة، وسرعان ما يكتشفون زيفها.
تتهاوى في غزة التماثيل كافة، تتحطم على صخرة صمودها, تتكشف صعوبة المعادلة فيها؛ لتغرق أحلام وأمنيات أعدائها؛ لتعود غزة من تحت الأنقاض شامخة عزيزة، ولو كره المحتلون الحاقدون، والمستسلمون والمتخاذلون، وكل المتفرجين على نكباتها والشامتين في مصابها.
غزة لها رجال بعد الله تحميها، لها قسامها وسرايا قدسها، لها القادة الذين انخرطوا بين أبنائها ليكونوا خط دفاع أول يواجهون النكبة كأي فرد فيها, غزة لها قيمها وصمودها الأسطوري الذي يصبح معادلة صعبة الفهم مع تكاتف أبنائها، مهما اشتدت مآسيها.
اليوم تتكشف في غزة هذه المآسي لتكشف المزيد من عورات من عرتهم سنوات مضت, غزة اليوم تنال من خصومها، وتصيبهم بسهام عزتها في قلوبهم وعيونهم؛ لتوجعهم أكثر مما هم فيه من أوجاع نتيجة صمودها وصمود شعبها, وستبقى غزة الشموخ والعزة رقمًا صعبًا في المعادلة الصعبة، وتبقى شوكة في حلق أعاديها, عاشت غزة عزيزة منتصرة على جلاديها، وسيبقى نصر غزة دومًا تلك الصخرة التي تتحطم عليها كل أمنيات أعدائها: المحتلين والمأجورين لعدائها.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع