"الهيام في كل واد مصير الذين سلقوكم بألسنة حداد"

د. يونس الاسطل
2005-11-27

الدكتور يونس الاسطل لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله…

الدكتور يونس الاسطل

"لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم، ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً، ملعونين أينما ثُقفوا أُخذوا وقُتّلوا تقتيلاً، سنة الله في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلاً" الأحزاب 60 - 62

كلما نصر الله عز وجل النبي والمهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان أحس أعداؤه وأعداؤهم أنهم في خطر، لأن قوة أولياء الله في صعود، وريح أولياء الشيطان في تباب، ولا يجدون بداً أمام العجز عن المواجهة من اللجوء إلى المكائد، وشن حرب شرسة من الأكاذيب والشائعات الهادفة إلى إيذاء المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا ، غير متحرجين من أن يحتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً.

لذلك أنزل الله الجبار هذه الآيات متضمنة أشد تقريع، وأقسى تعزير في حق صناديد تلك الحملة الذين يقولون منكراً من القول وزوراً، وذكر أنهم ثلاث طوائف

الأولى هم المنافقون، أولئك الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنّا، وإذا خلوا إلى شياطينهم (اليهود) قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون ، وهم الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين يبتغون عندهم العزة، مع أن العزة لله جميعاً ، ولكن المنافقين لا يعلمون.

وأما الثانية فهم الذين في قلوبهم مرض، أي فجورهم أرباب المنكرات، بل عبيد الفواحش ، وأسرى الشهوات، وقد دلّ على هذا التأويل ما ورد في صدر السورة في قوله تعالى "فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، وقلن قولاً معروفاً" الأحزاب 32

وأما المرجفون في المدينة فالمرجح أن يقصد بهم اليهود أنفسهم الذين يوحون إلى أوليائهم بما يرمونكم به، أو يجادلونكم فيه، فقد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر.

وقد توعد الله عز وجل أولئك جميعاً أنهم إن لم ينتهوا عما يقولون ليمسّنّ الذين أجرموا منهم عذاباً مهيناً، إذ إنه جل جلاله ليأمرن نبيه والذين آمنوا معه بقتالهم، وليغرينه ويحرضنه عليهم، ولسوف يغلبهم ويتسلط عليهم، وإزاء الذلة والهوان فسوف يختارون النزوح، ولن يجاوروه في المدينة إلا قليلاً، هي المدة القصيرة التي يرون فيها الجلاء أهون على نفوسهم من البقاء، غير أن اللعنة ستظل مضروبة عليهم أينما ثقفوا ، وهذا يعني أن المهجر لن يكون ركناً شديداً، ولا ملاذاً آمناً، ما دام ربهم هو الذي يلعنهم، وقد آذنهم بالحرب، ولن يعجزوه هرباً، وإنه عز وجل متكفل أن يهيئ لهم في كل أرض أينما وُجدوا من يأخذهم بالأسر والقتل، وليس أي قتل، بل هو التقتيل الذي يثخنهم ، فلا تقوم لهم من بعده قائمة.

إن هذا ليس مجرد تهديد يمكن لربنا أن يخلفه ، لا ، إنه السّنة والقانون، وقد مضى في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلاً، لأنه سبحانه لا يخلف الميعاد، وما يبدل القول لديه، وما هو بظلام للعبيد، وإذا قضى أمراً فلا رادّ لقضائه، ولا معقب لحكمه، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا ينفع ذا الجد منه الجد.

وهل جزاء الذين يتلقون الإفك بألسنتهم، ويقولون بأفواههم ما ليس لهم به علم، ويحسبونه هيناً، وهو عند الله عظيم، هل جزاؤهم إلا أن يقتّلوا ، وأن تكون عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وأن يكون مثلهم كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض، ما لها من قرار.

وقد سجلت السيرة النبوية ان المنافقين قد تقلص عددهم في العام التاسع للهجرة الى نحو سبعة عشر ،عهد النبي صلى الله عليه وسلم بسرهم وامسائهم الى حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ،وماتوا بغيظهم ،مع انهم كانوايفتنون في كل عام مرة او مرتين ،ثم لا يتوبون ولاهم يذكرون ،فعذبهم الله مرتين ،ثم يردون الى عذاب عظيم.

واما الذين في قلوبهم مرض فقد قمعوا بالحدود جلدا ورجما ،فما ابدى صفحته بكبائر الاثم والفواحش الا عدد محدود ،وقد شردت العقوبة بهم من خلفهم ،وكانت نكالا لما بين يديها وما خلفها .

ولعل اليهود  المرجفين هم الذين تجلى هذا الوعيد في حقهم في اعظم صورة ،حيث اجلي بنو قينقاع وبنو النضير ،بينما انزل الله بني قريظة من صياصيهم ،وقذف في قلوبهم الرعب ،فريقا تقتلون ،وتاسرون فريقا ،ولم تقم لهم قائمة قريبا من اربعة عشر قرنا ،تقطعوا في الارض امما ،ومزقوا فيها كل ممزق ،حتى افلت شمس الخلافة ،فعاد اليهود مؤقتا الى مسرح الاحداث ،وظهر بظهورهم المنافقون والذين في قلوبهم مرض ،ذلك ان اليهود نقضة العهود قد تمكنوا برؤوس اموالهم ،ومبال نسائهم ،ان يصطفوا لانفسهم كثيرا من بني جلدتنا الذين يتكلمون بالسنتنا ،ممن يتبعون الشهوات ويريدون ان تميلوا ميلا عظيما .

لذلك فقد اغرانا سبحانه بقتال اليهود ،يحرضنا على ذلك جرائمهم في الواقع ،وجرائم صنائعهم التى ما لها من دون الله من دافع،فلم يجاورونا في غزة الا قليلا ،وان لبثوا في ديارنا عدد سنين ،ولا زلنا مع بشارة الاية في انهم اينما ثقفوا اخذوا وقتلوا تقتيلا ،لا فرق فيه بين ما دون الجدار ،وما وراء الجدار في كل شبر من ارضنا المقدسة .

وأما المنافقون والخونة فقد اخذهم الله في الانتفاضة الاولى بذنوبهم اخذ عزيز مقتدر ،وتدنى عددهم الى حد كبير بعد ان اقتص من قرابة الف منهم وقمع اضعاف هذا الرقم ،وهم على موعد من المزيد من التقتيل بعد ان ضلوا السبيل ،ورضوا ان يكونوا رقابا ،بل مطايا لبني اسرائيل

وليس بعيدا عنهم اهل الفجور ومرضى القلوب الذين يتمتعون ويأكلون كما تأكل الانعام ،وقد ضاقت عليهم الارض في انتفاضة الاقصى ،فلم يعودوا قادرين على الوصول الى شواطئ تل ابيب ،او مراقص الفنادق ،او غيرها من مواطن الشياطين ،ومواطن الغافلين.

ان هؤلاء جميعا باتوا متوجسين بعد انتصار المقاومة في غزة فكريا وعسكريا ان تنتصر عليهم سياسيا ،فتقتحم قبة صناعة القرار مدعومة بالتأييد الشعبي ،والحصانة الجماهيرية ،وتنسف بذلك بنيانهم الذي اسسوه على شفا جرف هار في اوسلو ،وما قبل اوسلو ،وما بعدها كذلك ،ولا يجدون بدا من المضي في خلق الافك ،وصناعة الاكاذيب ،و برمجة الشائعات ،ونسج المؤامرات ،لعلهم يغلبون.

ومع يقيني بان سنة الله لا تبديل لها ولا تحويل ،وانهم واقع بهم وعيد ربهم ،غير اني انصح لجميع الاخوة الا يستدرجون الى مستنقع الفتنة ،والا تكون المبارزة الانتخابية سببا في المجابهة الداخلية ،والبديل هو رفض استئناف التهدئة ما دامت استحقاقاتها لم تدفع ،وان يكون الرد على بسط الايدي والألسنة بالسوء مزيدا من الضربات الموجعة في قلب الاحتلال ،لاننا اذا تماسكنا على خلفية مقاومة الغزاة ،والثأر للشهداء ،لن نفقد رصيدنا الشعبي ،بينما ان اندلعت الفتنة بسبب المنافسة السياسية فلن يستطيع اكثر الناس تمييز الخيط الابيض من الخيط الاسود بين المصلحين والمفسدين ،فيروننا سواء وذلك هو الخسران المبين فلتكن المجابهة مع طائفة المرجفين واما المنافقون والذين في قلوبهم مرض فجاهدوهم بألسنتكم ،واعرضوا عنهم ،وعضوهم وقولوا لهم في انفسهم قولا بليغا حتى ياتي الله بأمره.

 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026