الانتفاضة الثالثة الممكن العسير

الانتفاضة الثالثة الممكن العسير

يحيى موسى العبادسة
2013-10-08

جدول عادي إن جملة الأوضاع المهينة التي يعاني من جرائها الشعب الفلسطيني تحتم قيام انتفاضة جديدة وخاصة في الضفة الغربية المحتلة التي وصلت فيها الإجراءات الصهيونية إلى فرض وقائع…

إن جملة الأوضاع المهينة التي يعاني من جرائها الشعب الفلسطيني تحتم قيام انتفاضة جديدة، وخاصة في الضفة الغربية المحتلة، التي وصلت فيها الإجراءات الصهيونية إلى فرض وقائع احتلالية تقضي على حلم السلطة بالاستقلال الوطني، فالمسجد الأقصى قسم بالفعل زمانيًّا ومكانيًّا، والجدار يوشك أن يرسم معالم الحكم الذاتي وحدوده، والقتل والهدم والمصادرة والأسر تسير جنبًا إلى جنب مع التعاون الأمني المزدهر بين السلطة والاحتلال.

ومع كل ما سبق إن الانتفاضة غدتْ من الممكنات المستحيلة؛ بسبب جملة من العوامل والظروف، يمكن تلخيصها في ستِّ نقاط، كما يلي:

1. إصرار أبي مازن والتزامه أمام الاحتلال وأمريكا بإفشال قيام أية انتفاضة جديدة في الضفة الغربية؛ فأبو مازن وفريقه المتنفذ لا يزال يعلن بصراحة وبلا خجل أنه ما دام على كرسي السلطة لن يسمح بقيام انتفاضة جديدة.

2. إن السلطة في رام الله تنظر إلى الانتفاضة أنها عمل تخريبي وفعل عبثي لا يخدم المصالح الفلسطينية، ويمثل تهديدًا لاستقرار السلطة وتطورها وهدمًا لإنجازاتها، وقد يؤدي إلى تفكيكها.

3. إن السلطة التي قبلها الراحل أبو عمار كانت مرحلة انتقالية، وممرًا إجباريًّا، يتطلع إلى تطويرها؛ للتخلص من الاحتلال، ولكن السلطة التي أعاد بناءها (دايتون) تحولت من كيان إداري سياسي أمني إلى وكالة أمنية حصرية تعمل وفق قواعد اتفق عليها، ورُسمت، ووضع الأمريكان الآليات للرقابة على أدائها الأمني، فالأجهزة الأمنية أُعيد بناؤها بعقيدة جديدة، لا تقوم فقط على التنسيق الأمني، وإنما جعلت عقيدتها محاربة "المقاومة"، وحماية الاحتلال ومغتصباته، عادة ذلك مصلحة مشتركة فلسطينية (إسرائيلية)، وهذا أخطر انحراف يمكن أن يصيب حركة التحرير الوطني الفلسطيني، إذ تَوَحَّدَ الأمن الفلسطيني مع نقيضه الصهيوني الاحتلالي، وذلك ضد عدوٍّ مشترك، هو المقاومة الوطنية الفلسطينية.

إننا أمام أنموذج جديد يعيد إلى الأذهان روابط القرى التي أنشأها الاحتلال في الثمانينيات، وأفشلها شعبنا، ولكنها تعود باسم جديد وأهداف ومضامين واحدة.

وهذا بالضرورة لا يعني أن التنسيق لم يبدأ من عهد الرئيس الراحل أبي عمار، ولكن الاختلاف أن أبا عمار كان يستعمل التنسيق الأمني وسيلة تساعده على التقدم السياسي، فكان يُفَعله عندما تتقدم المفاوضات، وكان يجمده عندما تتوقف، أو عند تصاعد الإجراءات الاحتلالية، حتى إنه توقف في انتفاضة الأقصى، بل إن الاحتلال عاقب أبا عمار على ذلك وغيبه ماديًّا عن الوجود بعده ليس شريكًا في "السلام"، ودفع الأمريكان إلى استبدال أبي مازن به، وتصعيده إلى قيادة (م.ت.ف).

4. إن هناك وضعًا ملتبسًا على الجماهير في الضفة الغربية، يعطل تحول الهبات الجماهيرية، وردود الأفعال إلى انتفاضة ممتدة عبر الزمان والمكان؛ ذلك أن الحِسَّ الوطني الفلسطيني البسيط يجعل التناقض الرئيس لهذه الجماهير مع الاحتلال، وليس مع السلطة، مهما استبدت أو طغت أو انحرفت عن المسار الوطني.

ولتوضيح المقصود بما سبق: هب أن الاحتلال قد صعَّد من اعتداءاته على الأرض، نجد أن الجماهير تهب للتعبير عن رفضها ومقاومتها للمحتل، بالتجمع والذهاب إلى الحواجز الاحتلالية المنتشرة حول المدن الفلسطينية، فتكون الأجهزة الأمنية قد سبقتهم إلى تلك المواقع، لتشكل حائطًا يصد الجماهير حتى لا يقتربوا من جيش الاحتلال، وذلك تحت دعاوى وطنية زائفة، وهي حماية المتظاهرين من بطش الاحتلال، وحماية الأرواح، وهنا يتشوش ذهن المتظاهرين فإما أن يشتبكوا مع قوات السلطة، وبذلك يتحول الصراع إلى فلسطيني – فلسطيني، أو أن يعودوا إلى المكان الذي أتوا منه، يملؤهم القهر والإحباط والأسى.

وهكذا تنجح السلطة في تفريغ النضال الفلسطيني ضدَّ المحتل من محتواه، وتفقده الحماسة وتفشله، فهي تلعب دور المبرد لحرارة أية مواجهة، وتفتيت جهد الثوار، وتقضي على بذور الثورة قبل أن تتفتح أزهارها وقبل تحولها إلى انتفاضة، مصداقًا لقول الشاعر أحمد مطر:

"أنا اللهيب وقادتي المطر ... متى سأشتعل".

5. ومع حرص السلطة على الظهور أحيانًا بشكل اعتذاري بتنظيم بعض الفعاليات المقاومة لأغراض إعلامية محددة، إنها في الحقيقة والجوهر تحارب أي جهد فاعل لتنظيم الجماهير، وتعبئتها في اتجاه المواجهة الشعبية الشاملة مع الاحتلال؛ خوفًا من إضعاف السلطة، وتفكيك بنيتها الأمنية، التي ستوفر مناخات ملائمة لعودة المقاومة إلى تنظيم نفسها، فالسلطة بمحاربتها الانتفاضة تدافع عن وجودها وعن مصالح وامتيازات النخب الفاسدة والمتنفذة فيها،التي تحولت إلى نخب طفيلية لا يمكن أن تعيش إلا في أوساط السلطة الآسنة.

وهم يتسابقون في تقديم عروضهم السخية؛ للقيام بالمهام التي يحددها الاحتلال الذي في نظرهم هو الذي يعطي ويمنع، وهو الذي يرفع ويضع، فمن رضي عنه الاحتلال فله الرضا، ومن سخط عليه فعليه يقع السخط.

6. إن السلطة عملت على احتواء الحركة الوطنية الفلسطينية؛ فأفسدت النخب المتنفذة داخل بعض هذه الحركات، عن طريق احتوائهم داخل المنظومة الإدارية للسلطة، وباستخدام أساليب الترغيب تارة، والترهيب تارة أخرى، ما أَدَّى إلى اتِّساع الشُّقة بين هذه التنظيمات والجماهير الفلسطينية، وهذا ساعد على انحراف هذه الفصائل، والقعود بها وبأعضائها عن الاضطلاع بأي دور وطني رائد.

مما سبق يتضح أنني أرى قيام انتفاضة جديدة، دون تفكيك البنية الأمنية للسلطة، وتبديل عقيدتها القائمة على حماية الاحتلال، والتعاون معه؛ يبقى من الممكن العسير.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026