جدول عادي مرت علينا قبل أيام قليلة ذكرى تحرير المسجد الأقصى على يد القائد المظفر صلاح الدين الأيوبي الذي وجد يوما كل عائلته يرتدون العمائم السوداء حزنا على احتلال الفرنجة لمدينة…
مرت علينا قبل أيامٍ قليلةٍ ذكرى تحرير المسجد الأقصى على يد القائد المظفر صلاح الدين الأيوبي، الذي وَجد يومًا كل عائلته يرتدون العمائم السوداء حزنًا على احتلال الفرنجة لمدينة القدس، وضياع كرامة العرب، فجنّد نفسه وأعدها وهو صغيرٌ لتحريرها، وكان له ما أراد، وبالتحديد في 2 أكتوبر عام 1187ميلادية(عام 583 هجرية) في يوم الجمعة ليلة الإسراء والمعراج، وقف يومها القائد المسلم خطيبًا في القدس قائلًا لجنده: "إن الله أنعم عليكم بأن جعلكم الجيش الذي يفتح بيت المقدس في هذا الزمان؛ فهذا هو البيت الذي عظّمته الملوك، وأثنت عليه الرسل، وتُليت فيه الكتب الأربعة، فاحذروا _أيها الجند_ بعد هذا النصر المبين أن تقترفوا مَناهيه، أو أن تأتوا معاصيه، فتكونوا كالّتي نقضت غزلها بعد قوةٍ أنكاثًا، أو كالّذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين".
ولِعظم الذكرى، ولِعظم ما يجري للقدس الحبيبة، ولانشغال العالم الدولي والعربي والإسلامي عن كل ذلك؛ لابد أن نعيش الهمّ، ولو بالكلمة، كما قال أبو الطيب المتنبي: "على قَدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم"، فيا قدس معذرة أقولها لست ندمان، فقد عِشنا الضّيم ودَفعنا أغلى أثمان، أكرّرها ثانيةً وثالثةً؛ فالحرُّ لا يَأبه يومًا بطغيان، يا قدس غابت عنك بَسمتك، فقد حوكِمت بعزلٍمن السجّان، وأبعدوك سنينًا دونما استئذان،وغيّروا اسمك زورًا وبهتانًا، سمّوك هيكلهم وقد خابوا وقد خسروا، فليس لهم حيلةٌ بنفيِ ونُكران، فأنت القبلة الأولى وستبقين على مر الزمان، مهما حرّفوا أو بدّلوا أو زيّفوا فلن يُغيّروا الحقيقة الناصعة باستيطان...
ولن يُغيروا مَجدك وإن حوصرتِ بالقيد والقطعان، ستبقين عزيزة كما أنت، كما كنت فما هُنت، ستبقين كريمة أنت؛ فما يومًا بَخِلت، هكذا وَصفُك عندنا بالقرآن، فلا تَحزني يا قدس، يا يبوس، فحزُنك أدمى القلب والعينين، ولا تتأوّهي فالليل يَتبعه نهار، وتذكّري _يا قِبلتي_ يوم عُرس تحريرك كم ذُلّت فيه صُلبان، وكم دُكّت فيه أعناق البغي من جندٍ وفرسان، فقولي الحقيقة لا تجزعي أبدًا، ونادي على كلٍّ فردًا فردًا، واسأليهم لماذا تركوا أرذل قومٍ يصنعون فيك كل شيء عجبًا؟!، لماذا جعلتم ملتقى الأنبياء وحيدًا لا يَجرُؤ على نُصرته أحد؟!، ولماذا سَكَتَت ألسنتكم وكنتم في عَنائي سببًا؟!، نادي عند طلوع الشمس أو غِياب القمر: أين أنت يا عُمر؟!، نادي في كل وادٍ وساح: أين أنت يا صلاح؟!...
لقد أصبح كل شيءٍ في القدس المحررة مُستباحًا، وعَلت مزامير اليهود وخَبا صوت الأذان وصوت "حيّ على الفلاح"، وشُقّت الأرض المباركة مِن تَحتي ولا أعرف النوم وإخواني يَنعمون بالارتياح، واسألي أخويك الحرمين _فأنت ثالثة لهم_ كيف تَنعمون بِأُنسٍ وارتياح؟!، ألسنا إخوة بنص القرآن والأحاديث الصحاح؟!، أم أنكم في غفلة مما يُؤرّقني منذ حرّرني صلاح؟!، قولي لأجناد المسلمين: لِمن تُجَمّعون سلاحكم وعتادكم وجنودكم؟، أليس من أجل مسراكم؟!، أليست لصد من اعتدى عليكم وآذاكم؟!، فهيّا إليّ، وإن جموع الكفر عادتكم فإن الله مولاكم،ومن سورة الإسراء تَعلّموا تجدوا أنكم أولو بأسٍ شديدٍ إن أردتم، وأنكم يومًا سَتُتبّرون ما عَلَوا تتبيرًا، وتسوءون وجوههم ويُولّون هاربين إن استطاعوا، كأنهم حُمرٌ مستنفرةٌ فَرّت من قَسورة، وسينطق الشجر والحجر فَيُسلِمون رؤوسهم لِقطافها طَوعًا وكَرهًا، وستعلمون بأن بيوتهم أوهن من بيت العنكبوت، وأن وعد الله في هزيمتهم وعدٌ لا يُكذَب.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع