قالت غزة كلمتها بأن مناوراتها العسكرية التي أجرتها ومازالت تجريها في مناطق عديدة من أنحاء القطاع تعبير عن حالة الاستنفار والجهوزية العسكرية التامة توقعا وتحسبا لأي طارئ محتمل…
قالت غزة كلمتها، بأن مناوراتها العسكرية التي أجرتها _ومازالت تجريها_ في مناطق عديدة من أنحاء القطاع تعبير عن حالة الاستنفار والجهوزية العسكرية التامة؛ توقعًا وتحسبًا لأي طارئ محتمل ضدها، إذ شهد قطاع غزة خلال الأسبوعين الأخيرين خروج عروض عسكرية كبيرة لعدد من الفصائل الفلسطينية المقاومة، تتزعمهم كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس، في ظل ما يواجهه القطاع من حصار؛ لتأكيد استعدادها إلى التصدي لأي عدوان صهيوني غاشم، وقد نشر القسام المئات من عناصره بمسير عسكري جاب الشوارع في مختلف مناطق القطاع، وسط تأييد شعبي بدعم المقاومة، ورفع مسلحو القسام رايات الكتائب والمقاومة الفلسطينية، والتف المواطنون حول العرض العسكري في رسالة تحمل تأكيد دعم خيار المقاومة.
حين تقول غزة كلمتها، بأن المقاومة على أهبة الاستعداد للرد على أي عدوان محتمل عليها؛ هذا يعني بمنتهى الصراحة أنها أصبحت قادرة بفضل قوتها العسكرية المتطورة على حماية نفسها والدفاع عن مواطنيها، وهذا يعني تحذيرًا للاحتلال الصهيوني من مغبة الهجوم على قطاع غزة، باستغلاله الظروف السياسية الراهنة في دول الطوق المحيطة بفلسطين، وأي توتر في المنطقة لا يعني توتر غزة أو شيطنتها، وإن أراد الاحتلال عدوانًا؛ فستكون المقاومة له بالمرصاد، وقد صدقت الوعد حين قالتها مرات عديدة في مطلع كل عدوان عسكري صهيوني عليها، فصدقت حين قالتها في حرب "الفرقان" وحرب "حجارة السجيل"، وصدقت بصفقة "وفاء الأحرار"، واليوم تكررها وتقول: إن المقاومة أقوى بألف مرة مما كانت عليه في السابق.
لرب سائل يسأل: "من هي المقاومة في غزة؟، وما هو تاريخها؟، وما هي إنجازاتها؟"، فعلى صعيد قوى المقاومة تعد كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" القوة العسكرية الأكثر بروزًا وفاعلية وقوة؛ فتماسك بنيانها التنظيمي، ورؤيتها الوطنية المتزنة، وقوة وثقل فعالياتها العسكرية على الأرض بضرباتها الموجعة أوجدت لها مساحة بارزة في خريطة المقاومة، وبوأتها موقعًا رياديًّا في حقل العمل المقاوم ضد الاحتلال، وجعلتها لب المعادلة الكفاحية في مضمار السعي نحو التحرر والاستقلال.
فقد شهدت تلك المرحلة التي صاحبت البدايات الأولى للانتفاضة العديد من العمليات العسكرية، تركزت على إطلاق النار وإلقاء القنابل اليدوية، إلى أن بلغت مبلغًا رفيعًا، وأصابت نقلة نوعية بالنجاح في أسر الجنديين (آفي ساسبورتس) و(إيلان سعدون) عام 1989م، و(جلعاد شاليط) في عام 2006م، ما أشعل الأضواء الحمراء في عقول قادة الاحتلال، ووضعهم أمام حقيقة خطورة هذا التطور المهم الذي مس هيبتهم العسكرية، وزلزل حصانتهم الأمنية، وقهقر قواتهم، وألقى بهم في أتون المواقف الحرجة، التي انعكست على الأرض في حملة واسعة استهدفت الحركة، وطالت المئات من قياداتها ونشطائها السياسيين والعسكريين، وعلى رأسهم المجاهد الشهيد الشيخ أحمد ياسين الذي أصدرت سلطات الاحتلال عليه حكمًا السجن مدى الحياة عام 1991م.
هذه هي غزة هاشم بمقاومتها وشجاعتها التي أذهلت الاحتلال بصمودها حين دحرته على أعقابه في عام 2005م، وانتصرت عليه ولقنته أصعب الدروس في العسكرية، ولم تسكت على الظلم والفساد؛ فثارت على مفتعليهما وطهرت نفسها وشعبها، وها هي اليوم أصبحت رقمًا صعبًا يصعب تحديها، فمحاولات الاحتلال وقوى دولية لحصار المقاومة في السنوات الماضية باءت جميعها بالفشل بفضل المقاومة، وعلى رأسها حركة حماس التي مازالت صامدة متحدية أي نزال وتنازل؛ لقدرتها على توفير بدائل وخيارات أخرى في وجه محاصرة إمداداتها؛ لما لديها من وسائل وخيارات عديدة، ولديها إمكانيات أمنية ولوجستية ذاتية تجعلها أكثر أمنًا.
اليوم غزة قالت كلمتها وأوصلت رسالتها إلى الاحتلال الصهيوني قبل أي جهة أخرى، بأنها ليست لقمة سائغة يسهل ابتلاعها وهضمها، وأن دخولها عسكريًّا لم يكن نزهة، كما اعتقد باراك الذي اضطر إلى الانسحاب من جانب واحد عندما حاول دخولها عام 2009م، بل أثبتت في كل مرة أنها شوكة أكبر من حجمها في حلق كل من تآمر عليها ومن أراد بها وأهلها سوءًا، خاصة أولئك الذين يدبرون لها المكائد ويحيكون الخطط في السر والعلن، وأولئك الذين يصلون الليل بالنهار على أمل النيل من صمودها ومقاومتها.
فمن كان يصدق أن غزة المحتلة قبل أن تكون محاصرة تجرى فيها مناورات عسكرية ولديها ترسانة من الأسلحة المضادة، وفيها جيش بل جيوش من أبطال المقاومة تدافع عنها وعن فلسطين؟!، ومن كان يصدق أن غزة التي انطلقت منها شرارة "انتفاضة الحجارة" وفيها أسر جنود الاحتلال تتحدى أعتى قوة في المنطقة وأجبرتها على الرحيل والنزول عند شروطها؟!، ومن كان يصدق أن غزة التي هي أول من فجر الربيع العربي حين تمردت على سلطة (أوسلو)، وكنستها من تاريخها وجغرافيتها قادرة على إدارة شؤونها الداخلية رغم الحصار؟!
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع