قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مآئدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين المائدة إن هذه الآية هي الموضع الوحيد في القرآن الكريم الذي…
{قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ }المائدة114
إن هذه الآية هي الموضع الوحيد في القرآن الكريم الذي ذُكر فيه العيد بلفظه ، بينما جاء في موضع آخر بوصفه يوم الزينة، مثلما كان يصنع الأقباط الفراعنة يوم يفيض النيل، فيخرجون في زينتهم للتراقص والاحتفال، استبشاراً بالخصب والرفاهية في ذلك العام، ولكنّ الإشارة إلى العيد قد وردت في المواضع التي ندبت للتكبير فيه، كما في قوله تعالى
{وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }البقرة185
وأما بخصوص تكبير الله في الأضحى فجاء قوله تعالى {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ }الحج37
كما وردت الإشارة إلى العيد في الأمر بالصلاة بعد التزكية في سورة الأعلى، وكذا بالنحر بعد الصلاة في سورة الكوثر، فقد ذهب كثير من العلماء إلى أنها في الأولى تعني صلاة عيد الفطر بعد إخراج صدقته، وفي الثانية تأمر بصلاة عيد الأضحى ثم بالنحر.
ومهما يكن الأمر فإن الحديث عن العيد في القرآن نزر يسير، ولعل السر في ذلك هو أنه ليس لنا في الإسلام إلا ذانكما العيدان، إذ لا خير في أمة كثرت أعيادها ، فكثر لهوها وتوقفها عن الإعمار.
وقد جاءت آية المائدة في معرض الإزراء ببني إسرائيل، إذ إن أكثرهم قد كفر بسيدنا عيسى بن مريم ابتداء، وأما من آمن به من الحواريين فقد طلبوا مائدة من السماء معجزة، مع قيام ما هو أعظم منها بكثير، كأنْ يخلق لهم نبيهم من الطين كهيئة الطير ، فينفخ فيه، فكون طيراً بإذن الله، وهذا إيجاد للحياة من العدم، أو أن يعيد الحياة إلى من فقدها، فيحيي الموتى بإذن الله، أو أن يردّ جزء الحياة إلى أربابها ، فيبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله كذلك، أو أن يخبرهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، وهو مادة الحياة.
لذلك فقد نصحهم نبيهم عيسى عليه السلام بتقوى الله، والعدول عن طلب المزيد من المعجزات، لعلمه أنهم إذا لم يؤمنوا بها بعد مجيئها، فقد تعرضوا للنكال والاستئصال، وهو ما يؤكده الوعيد الذي صاحب نزول المائدة، وهو أنه من يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين.
إننا لا نستهجن ذلك من بني إسرائيل، فهم الذين قالوا لموسى من قبل لن نصبر على طعام واحد، فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، وهم الذين اعتدوا في السبت، فاحتالوا لصيد السمك، فقيل لهم كونوا قردة خاسئين، بل جعل منهم ربهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ، وهم الذي بلغ بهم الافتتان بالمال إلى حد أخذ الربا-وقد نهوا عنه- وأكلهم أموال الناس بالباطل، ومنهم من إن تأمنه بقنطار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً، فكانوا بحق سماعين للكذب أكالين للسحت، بل إن كثيراً من الأحبار فيهم والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله ،ويكنزون الذهب والفضة ،ولا ينفقونها في سبيل الله ،وهم كذلك الذين لا يؤتون الناس نقيرا ،بل يحسدون الناس على ما اتاهم الله من فضله ،فيتمنون لو نزعه الله من ايدينا ،وصيره اليهم ،او لو تمكنوا من غضبه بالعدوان والصيال ،او بالزيف والاحتيال .
وقد كان ذلك سببا في جرأتهم على دماء الانبياء ،واراقتهم لنفوس الذين يامرون بالقسط من الناس ،بل في اغترارهم بحلم الله وصبره وقلهم عليه بهتانا عظيما ،حين رموه بالفقر ،ورجموه بالبخل ،فقالوا ان الله فقير ونحن اغنياء ،وقالت اليهود يد الله مغلولة ،فكان ان ضرب لهم المثل بالحمار يحمل اسفارا وكتبا ،لا يناله منها الا التعب والنصب ،وجعل من انسلخ من علمائهم من آياته كالكلب ان تحمل عليه يلهث ،وان تتركه يلهث وكانوا بذلك قد اهبطوا من قمة التفضيل على العالمين الى الدرك الاسفل من الترذيل في الخاسرين .
وقد كان ركن الصيام لتدريب نفوسنا على الفطام عن كل تلك الاثام ،حتى لا نمسي نتمتع ونأكل كما تأكل الانعام ،لعلنا نظل خير امة اخرجت للناس ،او امة وسطا , شهداء على الناس ،ولكنه اتى علينا حين من الدهر كنا فيه كغثاء السيل ،فتداعت علينا الامم كما تتداعى الاكلة الى قصعتها ،ذلك ان حب الدنيا وكراهية الموت قد اصابت عزائمنا بالوهن ،فنزع الله جل جلاله المهابة منا من قلوب اعدائنا ،ولا زلنا نكتوي باثار ذلك من قرن او يزيد, ولا زال المفسدون عبيد الدنيا هم الملأ في اكثر الديار الاسلامية ،غير ان الصحوة الاسلامية المباركة ،وشباب الاسلام الذين تخرجوا في مدرسة الصيام يدقون في كل يوم المزيد من المسامير في نعوش اصحاب الكروش العاضين على العروش ،وما المقاومة العسكرية او السياسية عنكم بغريب .
لقد كان عيدنا هذا العام ذا طعم خاص ،فقد نلنا الامن جزئيا فتمكن الناس من رؤية اهليهم وارحامهم واصدقائهم بحرية غير ان المنغصات التى ذهبت بنكهته كثيرة وعديدة .
ألسنا خاضعين لغول الاسعار المصطنعة ،حيث ان شرذمة من القارونيين ،قد كانوا فقراء قبل بضع سنين ،وكانت اوسلو قد هيأت لهم الهيمنة على ارزاقنا ،فهم يأكلونها اضعافا مضاعفة ،دون رأفة او رحمة.
ان الاهم من ذلك ان الحرية والكرامة مصادرة ،فالمتنفذون يتلاعبون بقرار الجماهير من خلال مرحلة الانتخابات ،وتأجيلها،بل والادلاء بنتائجها الى الحكام ،لاختلاس الارادة الشعبية وهم يعلمون.
وان من اهم ما ذهب بفرحة العيد ذاك الفلتان اللعين ،اذ لا تهدأ نار الاحقاد في حي او مخيم حتى تحرق حرارة الدماء البريئة اكباد احياء اخرى , حتى ليخيل الينا انها جريمة منظمة ،ومما يقوي هذا الاعتقاد هذا الصمت عن التدخل احيانا ،وعن اقامة حكم الله بالقصاص في معظم الاحوال ،ولعل الهدف من ذلك ان يضج الناس من وجود الاسلحة في ايدي الناس ،فيجأروا بوجوب مصادرتها ،وتكون البداية بسلاح المقاومة ،وما اشبه ذلك بهدف الغارات الوهمية التى تقوم فيها الطائرات الصهيونية بعمل تفريغ مفاجئ في الهواء ،فيتسبب في ازعاج سائر الناس حتى يضيقوا ذرعا بالمقاومة ،ويتمنوا ان لو تمكنت السلطة من اطفاء جذوتها ،ولا حل يلوح في الافق الا بان تتداعى الفصائل الى حلف فضول يضرب على ايدي العابثين ،ولو كان العبث بفصل المنتسبين للحركة الاسلامية من وظائفهم باسم ما يسمى زورا بالسلامة الامنية.