جدول عادي يحيط بجولة المفاوضات التي جرت مؤخرا في القدس شرطان أساسيان سيعرقلان نجاحها الأول إيقاف الاستيطان والواقع يشير إلى أن استئناف المحادثات على وقع بناء مئات المستوطنات…
يحيط بجولة المفاوضات التي جرت مؤخرا في القدس شرطان أساسيان سيعرقلان نجاحها، الأول: إيقاف الاستيطان، والواقع يشير إلى أن استئناف المحادثات على وقع بناء مئات المستوطنات في الضفة الغربية وتوسيعها في ظل استرايجية إسرائيلية قائمة على فصل القدس عن الضفة الغربية وهي بذلك تضمن من الناحية العملية أن أي كلام عن القدس عاصمة فلسطين ليس إلا مجرد حديث وبشكل يتزامن مع إحاطة الضفة الغربية من جهة الغور بالمستوطنات، و فصل المناطق الرئيسة عن بعضها بعضاً بالكتل الاستيطانية .
الأمر الثاني هو نزاهة الراعي الأمريكي الذي –يفترض- أنه يدير المفاوضات بينما الواقع يشير إلى انحياز أمريكي واضح ويتبنى وجهة النظر الإسرائيلية تمامًا. فمارتن أنديك المبعوث الأمريكي بدا أشبه بشاهد زور على جولة المفاوضات، إذ جاء من أجل حضورها والمشاركة فيها وفي جلساتها، الا ان تل ابيب منعته من ذلك الامر وحالت دون حضوره للجولة الثانية من تلك المفاوضات! الكل يعرف من هو انديك؟! انه ليس فقط يهودياً وإنما متعصب للمطالب الصهيونية باعتبارها حاجات لا يمكن غض النظر عنها ! كل ما يريد الأميركي من هذه المحادثات هو تحقيق اختراق في حل القضية الفلسطينية، يجيره لقضايا أخرى، والإسرائيلي لا يريد أن يتنازل عن أي شيء، بل العكس يطلب من الجانب الفلسطيني التنازل!
للفلسطينيين تجربة مع المفاوضات تزيد على عشريتين من السنين ، استخدمت إسرائيل عملية السلام خلالها كغطاء لمواصلة ممارساتها الاحتلالية وبيع الفلسطينيين والعرب أوهامًا وإدخالهم في متاهات بحثا عن شيء اسمه المفاوضات والتسويات؛ بينما كل ما تهدف إليه هو كسب الوقت لاستكمال تهويدها للأراضي والمقدسات وفي كل الاتجاهات.
لم يحقق الفلسطينيون أي تقدم على صعيد أي قضية من القضايا الجوهرية من وهم التسوية: لا عودة اللاجئين الفلسطينيين والاستقلال الحقيقي للشعب الفلسطيني وحق القدس كمدينة السلام ، ولا حتى وضع حد للجرائم والتجاوزات اليومية للمستوطنين، والحصار الجماعي الذي يخضع له أكثر من مليون ونصف في قطاع غزة في حصار منذ سنوات، وعندما تكون المفاوضات مجرد غطاء لمشروع عنصري، قائم على طرد شعب وعلى التطهير العرقي المتواصل فإن مصيرها سيكون بكل تأكيد الفشل الذريع. الواقع والتجارب التاريخية تؤكد أن إسرائيل بسياساتها الإجرامية وممارساتها الإرهابية ليست دولة تريد سلاماً مع الفلسطينيين، ولا تضع أدنى اعتبار لأصدقائها من العرب قبل أعدائها وخصومها.
بصريح العبارة فإن كل ما تم بحثه في مفاوضات خلال السنوات الماضية، وما تم التوصل إليه من اتفاقات وتفاهمات غير معترف به، وما يجري اليوم من مفاوضات هو اجترار للماضي وتضييع للوقت وما تفعله إسرائيل وما تريده هو الممكن فقط، أي مفاوضات تبدأ من الصفر، في ظل عملية الاستيطان والتهويد التي يتسع مداها.
كل ما تريده تل أبيب من جولات ومحادثات السلام أن يكون امتدادا للمفاوضات القديمة بمعنى ان تطلق يدها في التوسع وارتكاب الجرائم وحرب الإبادة، لتحقق اهدافها الاستراتيجية وتحويل الارض المحتلة الى جزر معزولة يصعب معها اقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافيا.
لقد انحاز الفلسطينيون والعرب الى السلام والتزموا بشروطه واشتراطاته، وكانت ولا تزال مبادرة السلام العربية، هي التعبير الاوضح والأشد دلالة على انهم اختاروا هذا الطريق لتجنيب المنطقة الحروب، ولكن تل ابيب مصرة على رفض هذا النهج، لا بل وتعمل جاهدة على توظيف العملية السلمية والمفاوضات لتحقيق مخططاتها العنصرية وللإفلات من المقاطعة الدولية التي بدأت تؤثر عليها وكان آخرها قرار الاتحاد الاوروبي بمقاطعة منتوجات المستوطنات.
سنؤكد هنا على المؤكد وهو أن أي استئناف للمفاوضات، من دون الاستناد الى مرجعية صريحة ومحددة على اساس عام 67، سيشكل تنازلاً آخر من السلطة الفلسطينية، وإنجازاً إضافياً وحقيقياً لبنيامين نتنياهو الذي تفاخر أمام وزرائه المشككين بالقول "أنزلتُ الفلسطينيين عن شجرة الشروط المسبقة، ولن أوافق على تجميد بناء آخر في المناطق، ورفضت الافراج عن 120 سجيناً قبل بدء التفاوض، ولا ذكر لخطوط 1967". كما أن مواصلة المفاوضات في ظل عدم وضوح مرجعيتها إن كانت مباشرة أو غير مباشرة لا تلزم اسرائيل بالسلام، ولن تثمر عن أي نتيجة من ذلك، وهذا ما أثبتته التجربة خلال عشرين عاماً من المفاوضات، وإن البديل عن مفاوضات عبثية كهذه هو إنجاز المصالحة الوطنية الفلسطينية وبناء استراتيجية عمل فلسطينية واضحة تكون المقاومة ضد الاحتلالها مرتكزها الاساسي فثوابت وحقوق الشعب الفلسطيني لا تقبل التفريط والقسمة والتراجع واستئناف هذه المفاوضات المباشرة مع احتلال غاشم لن تخرج بنتائج تخدم الشعب الفلسطيني لأنها لا تستند إلى إجماع وطني فلسطيني وعربي، والدعوة إلى مفاوضات بهذا الشكل مغامرة بتضحيات الشهداء والجرحى والأسرى وبمعاناة الشعب الفلسطيني على مدى سنوات طويلة وتهديد كبير على مستقبل القضية الفلسطينية سيما في ظل الظروف العاصفة التي يمر بها العالم العربي!
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع