جدول عادي مرت الذكرى الثانية على تحرير الجندي الصهيوني جلعاد شاليط الذي قضى خمس سنوات كاملة عدا ونقدا في الأسر لدى فصائل المقاومة الفلسطينية الآسرة وكان مخفيا تماما عن الأجهزة…
مرت الذكرى الثانية على تحرير الجندي الصهيوني "جلعاد شاليط"، الذي قضى خمس سنوات كاملة عدا ونقدا في الأسر لدى فصائل المقاومة الفلسطينية الآسرة، وكان مخفيا تماما عن الأجهزة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، التي تقع عاتقها وعاتق قياداتها السياسية والعسكرية المسؤولية الكاملة. فكم من مرة كانت توشك الصفقة على النضوج لكنها كانت ترجأ أو تفشل بسبب المماطلة والتأرجح والتراجع في المواقف السياسية والعسكرية والأمنية الصهيونية، حتى ادخل ملف شاليط من عهد أولمرت إلى عهد حكومة نتنياهو كملف "رون أراد" أو الخوف من أن يصبح مصير شاليط كمصير "نحشون فاكسمان".
فقد اتبعت القيادات الصهيونية طرقا بائسة غير جادة منيت جميعها بالفشل، فتارة كانت تربطه بملف التهدئة لإعطاء مزيد من الوقت، ريثما تتمكن أجهزتها الأمنية المختلفة من التخلص من قضيته بطريقة أوبأخرى حتى لو أدى ذلك لقتله، وتارة تربطه بالفتح الجزئي لمعابر قطاع غزة، وتارة أخرى كانت تحيل ملفه إلى المفاوضات حرصا على كسب المزيد من الوقت وإعطاء فرص أخرى لأجهزتها الأمنية والمتعاونين لكشف ورصد مكانه، إلا أنه ومع فشل هذه المحاولات جمعاء وبعد تربع حماس في قطاع غزة، أصبح لديهم قناعة أنه لا يمكن تحريره من قبل بعض الجهات المتعاونة معهم، رغم أنهم كانوا يمدونهم بالمعلومات عن أي شيء يشتبهون به للوصول إليه وحاويات القمامة خير شاهد عليهم.
وبعد فشل العدوان الأخير على غزة وعجزهم مرة وللأبد للوصول إلى شاليط، لم يبق أمام نتنياهو والقيادات العسكرية والأمنية الصهيونية إلا أن يصغوا جميعا لمطالب الفصائل الآسرة لشاليط، والعودة من جديد إلى الوسيط المصري لإتمام اتفاق تبادل الأسرى.
إذن المماطلة والتأرجح في مواقف القيادات الصهيونية السياسية والعسكرية والتضارب أحيانا في الآراء حول قضية شاليط، هي التي أدت إلى إطالة الوقت وإضاعة الفرصة بل الفرص العديدة، لان جيل القيادة الصهيونية التي تتخذ القرارات الحاسمة من طرف واحد انتهت بغياب شارون عن الحياة السياسية، أما الجيل الثاني والذي يتمثل في أولمرت ونتنياهو وباراك وليفني يغلب عليه طابع التردد وعدم أخذ القرارات الفورية، فلو كان ملف الجندي شاليط بيد القيادة القديمة اعتقد لتم تبادل الصفقة بأقل وقت ممكن، لكن جيل القيادة السياسية الصهيونية الحالي يخشى اتخاذ القرارات السريعة، لتحقيق كل واحد مكاسبه السياسية على الآخر، مثلا فضل كل من اولمرت وباراك عدم المجازفة بإتمام صفقة تبادل الأسرى خشية من وضع أنفسهم في مأزق داخلي يقوض من حظوظهم السياسية، وعلى رأسهم نتنياهو المعني بتلميع صورته الشخصية وصورة حزبه "الليكود" الذي يشهد تراجعا في شعبيته أمام منافسه حزب كاديما، وكان يناور ويساوم على ملف شاليط، لحرق صورة كاديما أمام الرأي العام الإسرائيلي الذي كانت تقوده آنذاك ليفني.
وقد اظهر شريط الفيديو القصير الذي بثته أمس القسام على موقعها الالكتروني -وهي الدقائق الأخيرة لشاليط من حياته في الأسر قبل أن يرى النور وتسليمه- مدى ثقة القسام بنفسها وعملها السري، واثبتت تفوق جهازها الأمني والاستخباري على الاحتلال بكل أدواته وقواه وأعينه وعجزه عن الوصول إليه، عند اقتراب ساعة الصفر لتسليم شاليط وانجاز صفقة "وفاء الأحرار" التي كان مهندسها الشهيد القائد الشجاع أحمد الجعبري، حيث سبقتها عملية إعلامية إسرائيلية مكثفة لتمهيد الطريق نفسيا وامنيا إمام الإذعان لشروط القسام، فما كان يسرب في الفترة الأخيرة التي سبقت إتمام الصفقة عبر وسائل الإعلام الإسرائيلية، كانت مجرد لعبة إعلامية لتهيئة الرأي العام الإسرائيلي لقبول دفع الثمن باهظا مقابل إرجاع شاليط.
شاليط تحرر من الأسر وقد ذاق علقمه ومرارته نفسيا بالبعد عن أهله، وبشهادته انه لم يعذب، وأسرانا يعذبون ويهانون ويحرمون من كل حقوق الإنسان وما يملكونه إلا سلاح الجوع ليعبروا عن الظلم الواقع عليهم من مصلحة السجون الإسرائيلية التي لا ترحم وتضرب وتبطش وتنكل بكل قسوة وجبروت ولا تفرق بين طفل قاصر وكبير السن مريض ولا تنصاع إلى القرارات والمواثيق الدولية بعدم امتهان كرامة السجين. أما شاليط لم يكن بعد تحرره الإنسان الذي يرأف على حال الأسرى المظلومين ويدافع عن حقهم بالتحرر من السجون والمعتقلات ليخرجوا إلى الحياة ويرجعوا إلى أهلهم وذويهم وأبنائهم ووالديهم، فهو لم يحتج على سياسات حكومته البغيضة تجاه الأسرى الفلسطينيين وهو يدرك هذا جيدا بصفته جندي مارس عمليات عسكرية ضدهم.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع