جدول عادي أسرار النكبة عميقة الغور تمتد جذورها عبر حدود فلسطين وتتصل في كثير من أسبابها بما وراء كواليس السياسة العربية من أسباب وملابسات أدت بدول الجامعة العربية السبع آنذاك…
أسرار النكبة عميقة الغور تمتد جذورها عبر حدود فلسطين، وتتصل في كثير من أسبابها بما وراء كواليس السياسة العربية من أسباب وملابسات أدت بدول الجامعة العربية السبع آنذاك إلى الفشل والهزيمة، وشعب فلسطين إلى التشرد.
ومنذ النكبة إلى يومنا هذا يقف اللاجئ الفلسطيني البريء وراء حدود الوطن، ويتساءل والألم يُدمي صدره، والحسرة تأكل قلبه، ودموع المتباكين تنكأ جراحه؛ السؤال نفس الذي يردده كل جيل جديد من اللاجئين: "كيف ضاعت فلسطين؟!".
أعلن الفلسطينيون نكبتهم المشؤومة بعد إعلان إقامة "الكيان الصهيوني" الذي يسمى (إسرائيل)، في عام 1948م، الذي أقيم عنوة وبالإكراه على الأراضي الفلسطينية التي سلبت من أصحابها العرب الفلسطينيين الشرعيين، مرتكزًا بقوة على قرار التقسيم رقم (181) الصادر عن الأمم المتحدة في عام 1947م، المسبوق بوعد وقرار تآمري تاريخي لمصلحة اليهود المبعثرين في العالم من قبل بريطانيا العظمى آنذاك، وهو الوعد المشئوم الظالم "وعد بلفور"، الذي أعطى به "الحق من لا يملكه لمن لا يستحق"، وكانت بريطانيا المسيطرة والمهيمنة على قرار الشرعية الدولية من خلال استعمارها لمعظم دول العالم، ومنها فلسطين، والمسيطرة على مقدرات الدول الاقتصادية، وبالتالي المهيمنة على القرار السياسي لها لمصلحة الإستراتيجية الإنجليزية والصهيونية المتنفذة فيها، وبغياب الوجود والقرار العربي بالنضال والصمود والتحدي، وذلك إما بسبب وقوع معظم الدول العربية تحت الاحتلال البريطاني أو الفرنسي المباشر، وإما نتيجة ضعف الأنظمة المستقلة حديثًا، الأمر الذي جعل تلك الدول _وفي الحالتين_ إما مسلوبة أو ضعيفة الإرادة، ما جعل تأثيرها على الدول النامية ودول العالم الثالث وعلى مراكز صنع القرار الدولي ضعيفًا أو معدومًا، أما الشعوب العربية فقد كانت مقهورة تناضل من أجل الحصول على حريتها المسلوبة من الاحتلالات الأجنبية القمعية الراغبة في إذابتها وطمس حضاراتها، أو محبطة من بعض الحكومات الضعيفة التي أدارت معارك الاستقلال، ونجحت بالوصول والإيصال إليه بفعل ضغوط الاستعمار البريطاني أو الفرنسي الكبير عليها، ما جعل القضية الفلسطينية في المحور التالي لاهتماماتها، مع أن أغلب الحركات الثورية في الوطن العربي مع نضالها الوطني كانت قد وجهت الشعوب العربية للانتباه إلى الخطر الصهيوني القادم من الغرب على القضية الفلسطينية والأمن القومي العربي جميعه، وقد كان من أهم هذه الثورات العربية الحديثة التي ركزت في نضالاتها السياسية مع الإنجليز لمصلحة القضية الفلسطينية الثورة العربية الكبرى الوطنية القومية، التي انطلقت من مكة حاضرة العرب والمسلمين بقيادة الشريف الهاشمي الحسين بن علي، وخطت لنفسها من خلال البعد العربي القومي هدفًا عنوانه المطالبة بالحرية والاستقلال لكل الشعوب والأراضي العربية والعمل من أجله، إضافة إلى الثورات العربية الأخرى اللاتي أخذت طابعًا وطنيًّا ضيقًا في أقطارها المستهدفة من الاستعمار المباشر؛ لتحرير أوطانها وتأمين استقلالها وشعوبها.
فهل خضع الشعب الفلسطيني لهذه الأسباب ورفع الراية البيضاء؟، فالشعب الفلسطيني لم يرض في أي حال من الأحوال من اليوم الأول بوجود الانتداب البريطاني، ووقف كأسد يزأر في وجهه مقدمًا الشهداء تلو الشهداء، مدافعًا عن وطنه ومقدساته بثوراته المتعددة، ولو أنها كانت في الأغلب تفشل بسبب ملاحقة الانتداب، أو كانت ثورات مقطعة الأوصال أو محدودة التأثير سياسيًّا، أو محدودة الأهداف وطنيًّا ومحدودة المشاركات جماهيريًّا، وكما هو معروف إن أكثر هذه الحركات أو الثورات التي اجتاحت فلسطين قبل عام 1948م كان قد تزعمها في الأغلب قادة عرب من غير العرب الفلسطينيين، الذين كان لصدقهم وانطلاقاتهم الثورية من قوميتهم أثر سلبي على استمرارية أكثرها وديمومتها، ومنها ثورة الشيخ المجاهد عز الدين القسام عام 1936م التي ببدايتها بدأت ثورية جماهيرية، وكانت القيادات الفلسطينية فيها من الصف الثاني، لكنها حجمت وقزمت وضاقت أهدافها بعد استشهاد قياداتها أو انسحابها إلى بلادها، وكلٌّ لها أسبابها، وتحولت بقدرة قادر وفعل فاعل من جماهيرية إلى ثورية فصائلية (والمقاربة هنا ليست كالفصائلية الثورية الحالية حركات وتنظيمات، بل بمعناها الضيق فصائل جهادية من قائد فصيل، أو مجموعة مشكلة من بضع ثوار مختلفين الرؤى والأهداف والإمكانيات والمرجعيات، وإن كانوا متقاربين البلد أو العشيرة والعائلة) وأكثرها من أجل تحقيق رؤى وأهداف ومصالح لأكثر القيادات الأسرية أو الفئوية المختلفة والمتخاصمة التي قادت أكثر هذه المجموعات المسلحة، وأعتقد أن تلك الثورات لو بدأت مع قوتها واستمرت بقادة أساسيين من الوطنيين الفلسطينيين مع قلتهم وتوحدهم تحت راية جهادية واحدة؛ لاستمرت ونجحت في تحرير فلسطين، أو على أقل تقدير لاستطاعت أن تغلق الأبواب أمام الهجرة اليهودية التي بدأت في أواخر القرن التاسع عشر، إذ قال ماكس نوردو (مساعد هيرتزل) عن فلسطين: "العروس جميلة جدًّا، ومستوفية لجميع الشروط، ولكنها متزوجة فعلًا".
إذن، من هو المسؤول عن نكبة الشعب الفلسطيني وإقامة (إسرائيل) على أنقاضه؟!
المسؤولية يشترك فيها الجميع، فكان من مصلحة بريطانيا أن تعطي "وعد بلفور"، وكان من مصلحة أميركا وروسيا أن تعملا على تقسيم فلسطين فيما بينهما، وأن تعدا الأكثرية اللازمة من الأصوات لإقراره في هيئة الأمم المتحدة.
وإن بريطانيا التي كانت الحرب العالمية الأولى قد أنهكتها ماليًّا وعسكريًّا، وكان عدوها لا يزال قويًّا جدًّا؛ كانت بحاجة إلى نفوذ اليهود في أميركا لا لإقراضها مئات الملايين فحسب، بل لإدخال أميركا بكل إمكانياتها إلى الحرب، وقد حققت مصلحتها المشتركة بإخراج بريطانيا من هذا الجزء من العالم، ثم كانت لكلٍّ منهما مصلحة أخرى.
فمصلحة أميركا هي في الأصوات الانتخابية التي يملكها يهود أميركا، والواقعون تحت نفوذهم.
أما مصلحة روسيا من إقامة دولة لليهود في بلاد العرب فهي لتغذية هذا القلق والاضطراب الدائم والمستمر في هذه البلاد؛ لكي تستطيع أن تتدخل، وها هي قد نجحت، أما فرنسا فكانت أول دولة قد فتحت شهية الصهاينة لإنشاء وطن لهم، ومعروف أن نابليون هو أول زعيم مسيحي غربي دعى اليهود إلى التوجه نحو فلسطين لإنشاء وطن قومي لهم، وقد ساعدهم في الهجرة الأولى عن طريق حملته إلى المنطقة العربية وفلسطين، وكان يرمي إلى تخليص الفرنسيين والأوروبيين من أذاهم، ولم ينقطع دعم فرنسا للكيان الصهيوني حتى الآن.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع