تأملت في الأحاديث النبوية الشريفة التي تتحدث عن الأمانة وتبين ثقلها واتساع مفهومها ودقة خوارمها وندرة من يستحقون الوصف بها والعذاب الشديد الذي ينتظر المفرطين فيها والمقصرين بحملها…
*
تأملت في الأحاديث النبوية الشريفة التي تتحدث عن الأمانة، وتبين ثقلها، واتساع مفهومها، ودقة خوارمها، وندرة من يستحقون الوصف بها، والعذاب الشديد الذي ينتظر المفرطين فيها، والمقصرين بحملها، والمستهترين بقدرها.
فعرفت السبب الذي جعل السماوات والأرض والجبال يأبين أن يحملنها ويشفقن منها، وهن الأكبر والأشد والأقوى من الإنسان.
وعرفت أن الإنسان الذي استهان بها ورضي بحملها يستحق بجدارة صفتي الظلم والجهل اللتين وصفه الله بهما في قوله عز وجل { إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا}.
وعرفت أن الإنسان المؤمن الذي يجاهد نفسه وعدوه في سبيل الله ويتقي ويصبر ويحتسب، ويخرج من هذه الدنيا مرضياً ربه، أقوى وأشد من السماوات والأرض والجبال، لأنه يكون قد حمل الأمانة التي عجزت عن حملها هذه المخلوقات العظيمة.
وعرفت أن أمتنا اليوم لم تستجب بحق إلى أمر الله الوارد في قوله عز وجل{ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل}، ولا لقوله سبحانه{ يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون, واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم}.
وعرفت لماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكِّر أمته دائماً بالأمانة، حيث يقول أنس بن مالك-رضي الله عنه-{ ما خطبنا رسول الله إلا قال لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له}.
وعرفت أن السبب في ضعف أمتنا وتخلفها وانهزامها هو غياب الأمانة، وأن الأزمة الأكبر التي تعاني منها أمتنا حكاماً ومحكومين هي أزمة أمانة.
فلولا غياب الأمانة لما هتف المسلمون وصفقوا لحكام ظالمين ذاقوا ظلمهم، وتجرعوا علقمهم، ورأوا تحالفهم مع أعداء الله ضد إخوانهم، وكيف أرسلوا الجيوش لنصرتهم على المسلمين، وكيف جعلوا أرضهم وبحرهم وجوهم منطلقاً لجيوش الأعداء وسفنهم وطائراتهم التي تحمل القتل والدمار والاحتلال لأرض الإسلام، وكيف نهبوا خيرات البلاد وأقوات الشعوب وحولوها إلى أرصدتهم وأرصدة أبنائهم في البنوك العالمية، وكيف دبروا لكي يبقى الحكم فيهم وفي أبنائهم، وكيف تسببوا لأمتهم بالهزائم المتتالية.
ولولا غياب الأمانة لما وصل الفاسدون والساقطون والتافهون واللصوص والمرتشون والمنافقون والرويبضات والإمَّعات إلى معظم ومختلف مواقع المسئولية في ديار المسلمين، فعاثوا في الأرض فساداً، وجعلوا المسلمين والعرب أذل الشعوب وأهونهم على أعداء الله، وأجهلهم وأفقرهم، وهم أصحاب الدين القيِّم، والمبادئ السامية، والقيم الرفيعة، والعلوم الغزيرة، والحضارة السامقة، والأخلاق النبيلة، والتاريخ المشرق، والأرض الخصبة، والمناخ المعتدل، والموقع المهم، والثروات الثمينة، لقد خان الذين أوصلوا هؤلاء إلى مواقع المسئولية اللهَ ورسولَه، إذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم { من ولي من أمر أمتي شيئاً فولى رجلاً وهو يجد من هو أصلح منه فقد خان الله ورسوله}، ويقول { من ولي من أمر المسلمين شيئاً فأمر عليهم أحداً محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً حتى يدخله جهنم}. ويقول {إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، فقيل وكيف إضاعتها؟ قال إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة}.
ولولا غياب الأمانة لعرف المسئولون والحكام معنى المسئولية التي يحملونها، وأنها أمانة ثقيلة سيسألون عنها يوم القيامة، ولما تصارعوا عليها، و لأعطوها حقها، ولتعلموا من قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر عندما طلب أن يوليه{ يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها}، و لاقتدوا بالمسئولين الأتقياء الناجحين من أجدادنا الأوائل، من أمثال الخليفة عمر بن عبد العزيز الذي سألته زوجته عن سبب بكائه فقال{ يا فاطمة إني تقلدت من أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، أسودها وأحمرها، فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب الأسير، والشيخ الكبير، وذي العيال الكثير والمال القليل، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد، فعلمت أن ربي سائلي عنهم يوم القيامة، فخشيت أن لا تثبت لي حجة فبكيت}.
ولولا غياب الأمانة لما أصبح إهمال الآباء والأمهات تربية أبنائهم على القيم والفضائل والدين ظاهرة واضحة في مجتمعاتنا، ولما أصبح المعلم المخلص الحريص على تعليم طلابه وتربيتهم عملة نادرة في مدارسنا وجامعاتنا، ولما أصبح الإهمال شائعاً بين موظفينا وعمالنا، ولما صار التقصير والجهل غالباً على طلابنا، ولما أصبحت فريضة الجهاد شبه معطلة بيننا، بالرغم من أن أوطاننا محتلة، وكرامتنا ممتهنة، وديننا محارب، ولقام العلماء بواجبهم في دعوة الناس وتعليمهم، ولما هادنوا الحكام ونافقوهم وسكتوا عن ظلمهم، ولحرضوا أمتهم على الجهاد لتحرير أوطانهم ومقدساتهم المغتصبة، ولكانوا قدوة لهم في جهاد أعداء الله، ولما وقف القادة والضباط والجنود متفرجين على أعراض المسلمين التي تنتهك، وعلى أطفالهم الذين يقتلون، وعلى وجهائهم وعلمائهم الذين تمتهن كرامتهم في سجون الأعداء، ولما بقيت الأسلحة والدبابات والطائرات صامتة في مخازنها حتى أكلها الصدأ، ولما أصبحت السلعة المتقنة في بلاد المسلمين ندرة، ولما اضطررنا أن نُقبل على شراء السلع الأجنبية، ونعزف عن شراء السلع المصنعة بأيدي مسلمين، ولما انتشر الغش إلى هذه الدرجة الخطيرة في ديارنا، ولما انتشر السفور والزنا والخمر والمخدرات بين أبناء وبنات المسلمين، و لاتبعنا قول النبي صلى الله عليه وسلم{ كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسئولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسئول عن رعيته}.
ولولا غياب الأمانة لما وجدنا وزراء يسرقون التبرعات التي تأتي إلى الأيتام، ولا وجدنا مسئولين يبذِّرون في المال العام، ولا عانينا من موظفين يستغلون وظائفهم لمصالحهم الخاصة ومصالح أقربائهم، ولا نواباً في البرلمان لا يأبهون بهموم الناس ومشكلاتهم وفقرهم وجوعهم، وليس لهم همٌّ ولا إنجاز إلا زيادة رواتبهم الكبيرة أصلاً، وتحصيل رواتب تقاعدية ضخمة مدى حياتهم، و صرف سيارة فارهة وجواز دبلوماسي لكل منهم، ليسافروا كيف ومتى شاءوا، في الوقت الذي يحرم معظم أبناء شعبهم الذين انتخبوهم من السفر، وإذا ما سمح لأعداد قليلة منهم وجدوا صنوف العذاب والاضطهاد، ولا نسمع لهؤلاء النواب صوتاً يطالب بحقوق الناس، ولا نرى منهم موقفاً يعبر عن تعاطفهم معهم.
ولولا غياب الأمانة لما نسي هؤلاء المفرطون قول النبي صلى الله عليه وسلم{ من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطاً فما فوق كان غلولاً يأتي به يوم القيامة}، و لارتعدوا وارتدعوا من قوله صلى الله عليه وسلم{ يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقال أدِّ أمانتك، فيقول أي رب، كيف وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال انطلقوا به إلى الهاوية، وتمثل أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه، فيراها فيعرفها، فيهوي في أثرها حتى يدركها، فيحملها على منكبيه، حتى إذا ظن أنه خارج زلت عن منكبيه، فهو يهوي في أثرها أبد الآبدين، ثم قال الصلاة أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة، يقول الراوي وأشياء عددها، وأشد ذلك الودائع}.
إن التأمل في واقع أمتنا السياسي والاجتماعي والاقتصادي يؤكد أننا نعيش بالفعل أزمة أمانة، تذكرنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم{ أول ما تفقدون من دينكم الأمانة}، وقوله { أول ما يرفع من الناس الأمانة، وآخر ما يبقى من دينهم الصلاة، ورُبَّ مصلٍ لا خلاق له عند الله تعالى}.
والمطلوب من الطلائع المؤمنة التي أخذت على عاتقها مهمة إنقاذ البشرية من الضلال والتيه والشقاء، أن تتخلق بالأمانة بمفهومها الواسع، لأن إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي وعدنا الله ورسوله بها لن تتحقق إلا على أيدي المؤمنين الأمناء، الذين استجابوا لربهم عز وجل القائل{ والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون}، و لنبيهم الأمين صلى الله عليه وسلم القائل { أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك}، والقائل { أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا، صدق الحديث، وحفظ الأمانة، وحسن الخلق، وعفة مطعم}.
*رئيس قسم التاريخ والآثار في الجامعة الإسلامية بغزة