د يونس الاسطل ولقد نصركم الله ببدر وانتم اذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون آل عمران اذا كان التغني بيوم بدر على مدار التاريخ الاسلامي ضروريا لاسباب عديدة فانه في عامنا هذا ذو نكهة خاصة…
د. يونس الاسطل
"ولقد نصركم الله ببدر وانتم اذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون" آل عمران 123
اذا كان التغني بيوم بدر على مدار التاريخ الاسلامي ضروريا لاسباب عديدة ،فانه في عامنا هذا ذو نكهة خاصة ،ذلك ان الله عزوجل قد جعل لنا فرقانا كيوم الفرقان ،كما نرجو ان يكون بجهادنا لعدوه وعدونا قد طهرنا من سيئاتنا ،وقضى فتثنا من ذنوبنا ،مثلما اطمعنا في قوله تبارك وتعالى "يا أيها الذين امنوا ان تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ،ويكفر عنكم سيئاتكم ،ويغفر لكم ،والله ذو الفضل العظيم " الانفال 29
فمن ذا الذي كان يظن ان يتعجل الصهاينة الرحيل عن غزة في اقل من خمس سنين ،كنا قبلها قد مررنا بخمس اخرى من اظلم حقب التاريخ في الارض المباركة ؟
انها المعجزة التى تحققت يوم بدر ،وتكررت من قبله لطالوت، ومن بعده في معارك لا تحصى اثره ،كاليرموك وحطين وعين جالوت فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله ،والله مع الصابرين .
ان الفرق مهول في ميزان القوى بيننا وبين الصهاينة ،فجيشهم يزيد على نصف المليون بين النظامي والاحتياطي ،واما مقاتلونا فهم بضع مئات يتقاسمهم عدد محدود من الصائل ولكتائب القسام نصيب الاسد فيهم ،واذا نظرنا الى العتاد والسلاح ،والى الخبرة والتدريب ثم الى القدرة على التجسس والملاحقة وكذا حرية الحركة والسند الدولي بالاضافة الى سلاح الاعلام ،وغيره من الاسباب المادية ،فان النسبة تكاد تكون بين الصفر والمطلق بل كما وصف ربنا تبارك وتعالى "ما ظننتم ان يخرجوا ،وظنوا انهم مانعتهم حصونهم من الله " الحشر 2
لكن الذي حدث ان الله عزوجل قد اتاهم من حيث لم يحتسبوا ،وقذف في قلوبهم الرعب ،فاخربوا بيوتهم بايديهم وايدي المؤمنين ،ذلك ان عددا محدودا من العمليات النوعية هي التى جعلتهم يوقنون ان لا مقام لهم في غزة ،فليرجعوا الى خطوط دفاعية من وراء جدر ،بعد ان اصبحت مدينة سديروت عورة ،ويوشك ان تلحق بها المجدل ،بل ان كثيرا من التجمعات الاستيطانية ،والمدن الصهيونية ،على موعد مقاومة لا قبل لهم بها في الضفة الغربية ،تخرجهم منها اذلة وهم صاغرون ،ولا اظنها تزيد على خمسة اعوام ،تقع فيها احداث جسام ،ينزل الله فيها بني قريظة من صياصيهم فوق جبال الضفة ،ويقذف في قلوبهم الرعب ،فريقا تقتلون ،وتاسرون فريقا ،خاصة اذا ترنحت امريكا امام اعاصير المقاومة ،والضربات الموجعة في عقر دارها بعذاب من عند ربنا ،او بايدينا نحن ابناء الامة الاسلامية العظيمة .
وبالعودة الى آية المقال التى نزلت بعد هزيمة احد تمسح الامها ،وتستنهض الهمم لاستئناف الاعداد ،والتهيؤ لسلسلة من المواجهات مع قريش واليهود ،ومع المنافقين كذلك ،ذلك انه سبحانه يقسم في هذه الاية انه نصركم ببدر وانتم اذلة اقلة ،وما كان يعجزه ان ينصركم يوم احد، فقد صدقكم وعده اذ تحسونهم باذنه في الجولة الاولى ،ثم صرفكم عنهم ليبتليكم بأن تذوقوا عاقبة الذين يخالفون عن أمره، وينازعون في السمع والطاعة بسبب أن فيهم من يريد الدنيا والغنيمة، فكان الدرس قاسياً حتى لا يتجدد الخطأ.
وأما قوله " فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون" فمراده أن تلك النعمة الكبرى، نعمة معجزة الانتصار مع وهن الأسباب ، تستوجب الشكر، ولا شكر أعظم من التقوى، وهي تعني في هذا المقام أن يثبتوا في ميدان القتال، وألا يتضعضعوا بسبب ما أصابهم، ، يوم أُحُد ، ذلك أن الشكر هو الذي يستدر المزيد من النعمة والنصر، وقد تأذّن لكم ربكم " لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ" إبراهيم (7) ثم استطرد السياق، فذكر أن النصر يوم بدر قد تحقق في وقت كان فيه الصحابة وجلين يستغيثون ربهم، فاستجاب لهم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين، أي أن وراءهم ملائكة أخرى يردفون هؤلاء والنبي عليه الصلاة والسلام يطمئنهم ويبشرهم أما الطمأنة ففي قوله تبارك وتعالى " أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ" وأما البشرى ففي قوله جل وعلا " بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ" الآيتان (124 - 125)
ولعل السر في ذلك أن ترتاح نفوسهم ما دام معهم جنود لم يروها لكنها تشكل جيشاً له قلب، ومن أمامه مقدمة، ومن ورائه ساقة، وله ميمنة وميسرة، وكل فيلق من هذا الخميس يوازي جيش قريش من حيث العدد، فإنه ما كان ينيف عن الألف أبداً، ولذلك فلا غرابة أن يرونا مثليهم رأي العين حين التقى الجمعان، مع أنه سبحانه قد قللنا في أعينهم من قبل، وقللهم في أعيننا من قبل ومن بعد، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، وهو إقامة الحجة على العالمين، بأن هذا الدين، هو حق اليقين، ولولا ذلك لأمسى حملته مهزومين، ولكنهم في أعين رب العالمين، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة، وليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون.
وقد أخبر سبحانه أن النصر من عنده وحده، لا من الملائكة ، فهم لا يزيدون عن كونهم أسباباً للبشرى والطمأنة، ولو أراد الله أن يهزمنا مع وجود الملائكة لفعل، حتى تظل قلوبنا معلقة بربها غير راكنة إلى الأسباب، فلو كانت تفعل وحدها لكان الصهاينة أحق بالنصر منا، لكن الله تبارك وتعالى قد أنزل سكينته على المؤمنين، وأنزل جنوداً لم تروها، وعذّب الذين كفروا من بين إسرائيل، وذلك جزاء الكافرين، مهما كانت جلدتهم أو قوميتهم.
إن أعظم شكر نشكر به ربنا بعد بدر التي تجلت في قطاع غزة هو العض على المقاومة بالنواجذ ، لاستكمال تحرير غزة من دنس الاحتلال وذيوله، لتكون بلداً آمنا مطمئناً يأتيه رزقه رغداً من كل مكان، وأن نواصل الدفع للمحتلين في الضفة، وأن نسعى لتكتيل الأمة الإسلامية من وراء المقاومة، وفي أضعف الإيمان أن نمنع الهرولة الرسمية للتطبيع مع أعداء الخليقة وشر الدواب والأهم من كل ذلك تصليب الجبهة الداخلية بما بات يعرف بترتيب البيت الفلسطيني، حتى لا يتغول مستأصل على المقاومة، أو يبقى الفساد ضارباً أوتاده في مفاصل شعبنا، وحتى تتكرس العدالة والمساواة والحرية والكرامة، وهي شروط ضرورية للصمود والمزيد من الجهود في اقتحام الحدود على اليهود، والحمد لله رب العالمين.