جدول عادي مرات ومرات منذ كنت طفلا حتى أصبح الرأس شيبا تهدد بها الأم صغيرها أو صغيرتها ليسكت عن الصراخ أو لحثه ليلحق بها إذا ما تخلف عنها بينمها هي تحمل على خاصرتها اخاه الصغير وفي…
مرات ومرات ، منذ كنت طفلا، حتى أصبح الرأس (شيبا ) تهدد بها الأم صغيرها أو صغيرتها ، ليسكت عن الصراخ ، أو لحثه ليلحق بها إذا ما تخلف عنها ، بينمها هي تحمل على خاصرتها اخاه الصغير ، وفي ذيل ثوبها أخته أثناء سيرها ، ولا باس ان تكون حاملة على رأسها سلة خضراوات أو " بقجة أواعي الأولاد " ، فإذا أحرن أحدهم نهرته : إمش ، فإذا أصر على عناده ليتأخر عن الركب ؛ فلا تجد مناصا من ان تصرخ فيه دون أن تلتفت إليه ( أجــــاكـ العــــو ) والعو – كما هو معلوم – هو الكلب الذي يرتبط أسمه بأنياب ونباح وشخير مرعب ، وقد علم الطفل ذلك من امه ؛ التي طالما هددته به ، فيغرق في خيال مخيف ، معناه أن أنياب الكلب ستغرز في ساقه ؛ إذا ما تأخر أو بكى او طلب مصاصة لا تعدو قيمتها ربع شيكل ! واما النتيجة فهي واحدة من اثنتين ، وكلتاهما تؤديان إلى نتيجة واحدة ، حسب قانون السببية ( ان لكل سبب نتيجة ، لتكون هذه النتيجة سببا لنتيجة أخرى ) ،أ الأولى : فأن يجيء العو ، وهو لن يجيء ابدا ، ويضل الطفل في عناده وإصراره على البكاء و ( التأخر) وأما الثانية : فلا يجيء أبدا فتكون الام كاذبة ، فيستهين بها ، وأما النتيجة النهائية : فإن الطفل ينشأ جبانا ، يخاف من وهم قادم ، لا يتحمل مسؤولية تصرفاته ، وفي موروثنا الشعبي الكثير من مثل هذا ، فقد أرعبتني أمي ذات ليلة حالكة شاتية ، قد تمترست في باب الدار ؛ كي تعطيني أمي قرشا ، وهي لا تملك ذلك القرش المأمول ، وعندما ضايقها (زني) وتهديدي بأنني ( سأبطش ) الدار قالت – رحمها الله – وهي تضحك ضحكا كالبكاء ( تعالو يبو رجل مسلوخة )ولا ادري من هو صاحب تلك الرجل المسلوخة ،وكل الذي ادريه انني كنت ارى اشباحا تخرج لي من تلافيف الظلام بأرجل مسلوخة ، والتي لم تكن تعني شيئا إلا أن صاحبها مخيف وشرير ، وسيسلخ رجلي إن بقيت ما أنا عليه ، ونجحت أمي في ان تحضنني بقوة وهي لا تزال تردد ( إتخافش يما إتخافش ) وبعد أن رميت بجسدي كله في حضنها وانا أولول ( يماااااااا ) ! من المؤكد أن أمي لم تخطط أن اكون جبانا أخاف من مجهول ولو كان ( أبو رجل مسلوخة )، ولكن مضت سنوات وانا ارى حولي آباء الأرجل المسلوخة ، كلما أحاط بي الظلام ، حتى وإن كنت تحت اللحاف ، ولم اتحرر من هذا الخوف إلا بعد ان صارت امي تصفني عند صويحباتها بأنني ( شاب ) ، و ( زلمة ) ، وترسل بي إلى الدكان .. كنت ادفع عني الخاطر المخيف شيئا فشيئا ، لأنني ( شاب ) و ( زلمة ) ، حتى زالت صورة الرجل " ذي الرجل المسلوخة " من خاطري عند دخولي المدرسة لأول مرة ! وقد اصبحت في عداد الرجال لأخلص إلى أن (البيت ) و ( البيئة ) هما من يجعلان الأولاد (جبناء )أو (شجعانا ) .
قدر لي ان اقرأ عبارة لحكيم الصين ( كونفوشيوس ) قال فيها : " إذا حاقت بك الأقدار ، فاقذف بنفسك فيها تنجو " فاتخذتها مبدءا أربي عليها أولادي ، ورغم ذلك فقد وجدت من بناتي من تخاف حتى – السكتة القلبية – إذا رأت صرصارا او فأرا ، واعترف أنني فشلت فشلا ذريعا في تحريرهن من ذلك الخوف ، ورغم ما سقت من ادلة قطعية الدلالة على ان الصرصار أو ذلك الفأر هما من اجبن الكائنات ، امام أجبن طفل ، وبشيء من التقصي وصلت أن السبب في ذلك يرجع إلى المدرسة ، فكلاهما ينقل الأمراض ، وكلاهما يعيش في القذارات ، كلاهما يقرض الكتب والملابس ، وكلاهما وكلاهما .... فترشح الخوف منهما ، وقد اخذه الصغار عن الكبار ( الذين هم صغارٌ ايضا ) ، الأمر يمنع الطفل من الذهاب – وحده – ليقضي حاجته ، خشية أن يكون غول اسمه (الصرصار )! هو نفسه الشعور الذي سيطر على الكثرة الكثيرة من مواجهة الصهاينة لمفاهيمهم تسللت إلى وجدانهم وقلوبهم من ضابط المخابرات ( الصهيوني ) ، بدعوى أنه يعلم ما توسوس به نفوسهم ، وإذا ما وقع أحد في أيديهم ؛ فالعذاب الشديد الذي لا تتحمله الجبال الرواسي ، ثم سنوات السجن او الإبعاد ، إنها ( اجاكـ العو ) في صورها المختلفة ( العو ، وابو رجل مسلوخة ، الفار ، والصرصار ، والصهيوني ) ، تلك الجبهة الهشة التي سرعان ما تنهزم امام طفل لم تقل له امه ( أجــــاكـ العو ) وأخواتها .
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع