«حماس» والتوفيق بين الثوابت والضرورات البراغماتية

«حماس» والتوفيق بين الثوابت والضرورات البراغماتية

علي بدوان
2005-10-16

بعد قليل من مغادرة آخر مستعمر إسرائيلي أرض قطاع غزة ومع الرحيل التام لجيش الاحتلال يقف الفلسطينيون أمام مرحلة جديدة ونوعية لتوطيد دعائم وجودهم الحر والمستقل فوق جزء من أرض وطنهم…

بعد قليل من مغادرة آخر مستعمر إسرائيلي أرض قطاع غزة، ومع الرحيل التام لجيش الاحتلال، يقف الفلسطينيون أمام مرحلة جديدة، ونوعية، لتوطيد دعائم وجودهم الحر والمستقل فوق جزء من أرض وطنهم، وتتحدد أمامهم جملة من المهام السياسية في ظل الحراك والتنافس القائم بين القوتين الرئيسيتين في القطاع فتح وحماس.

وقبل فترة قصيرة من الزمن، لم تكن غالبية الفصائل الفلسطينية المنضوية في إطار تحالف المعارضة على ثقة بأن الانسحاب الإسرائيلي وتفكيك المستعمرات في قطاع غزة أصبح أمراً بحكم الواقع، فاتجهت الفصائل الفلسطينية إلى التعاطي مع الموضوع برمته من موقع المحاكاة والمحاججة السياسية، باعتبار أن الظروف لم تنضج بعد لفرض الانسحاب الإسرائيلي وتفكيك المستعمرات المتناثرة فوق أرض القطاع,

وفي زيارته الأخيرة لدمشق التي ترافقت مع التحضيرات الإسرائيلية الأخيرة، لبدء عملية تفكيك المستعمرات والانسحاب من قطاع غزة، أبلغ الرئيس محمد عباس جميع القوى بجدية ما يجري، مستنداً إلى المعلومات الإقليمية والدولية التي تبلغها عبر القنوات المختلفة، ومن الإدارة الأميركية بالذات في زيارته التي تمت إلى واشنطن قبل حوالي الشهرين من بدء الانسحاب الإسرائيلي من غزة، وفي خطوة حملت معها دلالاتها، خص الرئيس محمود عباس حركة حماس بالاهتمام الكبير، حتى بدت زيارته الفلسطينية المشار إليها إلى دمشق، وكأنها فقط، زيارة عمل ولقاء مع القيادة الخارجية لحركة حماس ومكتبها السياسي، بينما اتخذت لقاءاته السريعة والمقتضبة مع باقي الفصائل طابعاً عاماً أقرب إلى المجاملة منها إلى البحث الجدي، حيث أبلغ الرئيس محمود عباس الفصائل إياها بضرورة المشاركة في حكومة وحدة وطنية وإعداد قياداتها للدخول إلى القطاع والمشاركة في تحمل المسؤولية، وقوبلت دعوة أبو مازن للمشاركة في حكومة الوحدة الوطنية بالرفض الكامل من قبل الجميع من القوى التي استندت في رفضها إلى حيثيات حوارات القاهرة الفلسطينية ومسألة إعادة بناء المنظمة أولاً، بينما وافق عليها طرف فلسطيني واحد من فصائل المعارضة، رابطاً بين المشاركة في الحكومة والمشاركة في القرار السياسي للسلطة على أعلى مستوياتها.

وعلى هذا الأساس أيضاً، فإن «استحقاق مرحلة الانسحاب وما بعده من قطاع غزة» كان العنوان الأبرز للنقاش المشترك في لقاء العمل الليلي الذي جمع بين وفد السلطة برئاسة أبو مازن ووفد حركة حماس برئاسة خالد مشعل وموسى أبو مرزوق ومحمد نزال وآخرين، فقد طال اللقاء وامتد عدة ساعات ليلة مغادرة أبو مازن العاصمة السورية، وحسب المعلومات المتوافرة فإن الرئيس عباس شدد على اعتبار حركة حماس «شريكاً أساسياً ورئيسياً في الداخل وفي قطاع غزة على وجه الخصوص» وأن «توفير الأمن المجتمعي والوطني وسيادة سلطة القانون والمرجعية الواحدة مسائل لابد منها» لتفويت الفرصة على شارون الذي يسعى أمام جمهور اليمين الصهيوني وقاعدة الليكود لجعل قطاع غزة ساحة للتطاحن الدموي الفلسطيني - الفلسطيني الداخلي، وعليه طلب محمود عباس من قيادة حركتي حماس والجهاد الإسلامي أخذ المعطيات على الأرض بعين الاعتبار، مع ضرورة توخي الحذر، ووقف أي فعاليات فدائية عسكرية ولو كانت محدودة، فالإسرائيليون أبلغوا القنوات المعنية بأنهم «سيفاجئون الفلسطينيين» في حال إطلاق النار عليهم عند انسحابهم أو عند تفكيك المستعمرات، وأحد السيناريوهات الموضوعة التي أبلغ بها الرئيس محمود عباس، تتمثل في «الانسحاب الإسرائيلي تحت قوة النار الإسرائيلية» وتحت قوة الطاقة النارية لسلاح الجو بواقع 200 طائرة ( إف 16) ومعها عشرات الحوامات تحلق عند الضرورة في سماء القطاع، وتحول القطاع برمته إلى «كرة ملتهبة من النيران»، وبالرغم من الحذر الشديد، بل والتخوفات التي تسري عند بعض قيادات حماس بشأن المرحلة القادمة، والتحسس من محاولات التآمر الإقليمي على الحركة، يمكن القول بأن «الحكمة ضالة المؤمن» شكلت عنواناً بارزاً في الأداء والتعاطي الحمساوي مع قضايا البيت الفلسطيني والعلاقة مع الطرف السلطوي الفتحاوي في سياق مسألة الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، وترافقت الحكمة إياها مع عقلانية جامعة عبرت عنها حركة حماس من خلال محاور عدة في سياستها الداخلية الفلسطينية هي

1- التأكيد على وقف الفعاليات الفدائية من القطاع في حال التزام الطرف الإسرائيلي، وتركيز العمل الانتفاضي والمقاوم في الفترة القادمة في مناطق الضفة الغربية والقدس، خصوصاً أن «لا أحد طلب من أحد تسليم السلاح في القطاع» وتركزت المطالب من قبل السلطة على «ضبط فوضى السلاح».

2- تمسك الحركة بنبذ العنف الداخلي في البيت الفلسطيني، والتأكيد على الشراكة الوطنية والسياسية مع الجميع، خصوصاً مع حركة فتح والسلطة الوطنية الفلسطينية.

3- إصرارها على المشاركة في الانتخابات البرلمانية الفلسطينية للمجلس التشريعي المتوقع إجراؤها في 25/1/2006، طبقاً لمشاركتها في الانتخابات البلدية الماضية، وعلى قاعدة قانون الانتخابات الجديد الذي جرى التوافق الفلسطيني عليه، وبهذه النقلة النوعية في سياسة حركة حماس فإنها تدخل «مرحلة متقدمة للاندماج في مؤسسات منظمة التحرير من أوسع أبوابها».

4- إطلاق سلسلة من التصريحات الواقعية التي كررت الحديث فيها عن استعدادها للقبول بالحلول «المرحلية»، ومحاورة الغرب والإدارة الأميركية، وعليه يمكن تأكيد المعلومات التي تحدثت عن لقاءات عمل جمعت قيادات من حركة حماس وبعض رجال المفاصل الأساسية في الإدارة الأميركية.

وخلاصة القول، إن ما يبدو إيجابياً وبناء في وقت ما، قد يتحول إلى العكس في وقت آخر، وهنا لا مناص من الإشارة صراحة إلى التحولات السلبية، التي نشأت تحت سطح العلاقة التحالفية بين حركتي فتح وحماس، فقد أصبحت المخاوف من تقدم حركة حماس في نتائج الانتخابات القادمة، قد تطورت لتصبح عقدة تتحكم بسلوك البعض ممن لا يريحهم أن يروا البيت الفلسطيني وقد توحد من أقصاه إلى أقصاه، وذهبت معظم التقديرات، إلى أن حركة حماس سوف تواصل تقدمها، لتستولي على النظام السياسي الفلسطيني القائم في الضفة الغربية وقطاع غزة بأكمله، دون أن تترك لأحد «لحسة أصبع»، وكل هذه التقديرات كانت تقابل من جانب الرئيس محمود عباس، بقدر كبير من التفهم واستيعاب حالات التذمر والاحتجاج، بل إنه تحمل انتقادات المقربين إليه، حين أسمعوه بأن ما تم بعد رحيل الرئيس ياسرعرفات، ليس انتقالاً داخل الجسم الفتحاوي، إنما انتقال لها بشكل أو بآخر نحو حركة حماس. ومع هذا وذاك، إن خطوات حركة حماس المدروسة والمستخلصة من عصارة تجربة الأعوام الأخيرة، خصوصاً بعد أن فقدت حالات مؤثرة من قياداتها الأولى المؤسسة لها، واقتناعها الكامل بأن مرحلة جديدة قد بدأت مع رحيل الرئيس ياسرعرفات، دفعتها للسعي لتكريس وتطوير وجهة نظر سياسية تَظهر من خلالها على أنّها عرفت كيف تقيم المزج القائم على إحداث التوازن الضروري بين ثوابتها في الصراع مع الدولة العبرية وبين البراغماتية السياسية، التي يزداد الميل نحوها مع ضرورات الواقع السياسي الفلسطيني الجديد في فضاءاته الإقليمية والدولية شديدة التعقيد.

صحيفة الوطن القطرية 14/10/2005

 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026