الأمة تعيش واقعا تملك أسباب تغييره

الأمة تعيش واقعا تملك أسباب تغييره

المستشار محمد الهضيبي
2003-10-17

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم وبعد فإن العدوان الصهيونى الوحشى والإجرامى على رفح ومعسكر اللاجئين فيها بقدر ما أثار موجة من الحزن والأسى الشديدين على…

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم ... وبعد ؛

فإن العدوان الصهيونى الوحشى والإجرامى على رفح ومعسكر اللاجئين فيها بقدر ما أثار موجة من الحزن والأسى الشديدين على مستوى الأمة إزاء ما لحق بالأشقاء الفلسطينيين وأطفالهم ونسائهم من قتل وتدمير لأسباب ومظاهر الحياة واعتقال وتنكيل وتعذيب للشباب ، فقد أثار موجة من السخط والغضب الجارف على الصهاينة الذين احتلوا الأرض والديار .. واستمرءوا العدوان والتوسع ، وعلى الدعم الأمريكى السافر السياسي والاقتصادى والعسكرى للعدو الصهيونى ومده بكافة أسلحة الإبادة والدمار والقتل .. كما أنه أثار موجة واسعة من الاستنكار على مستوى كافة الشعوب العربية والإسلامية وهى تتساءل .. متى يكف المعتدون الصهاينة الآثمون عن إجرامهم فى حق شعب منها وفى حقها جميعا ، ومتى يرتفع حكام الأمة وحكوماتها إلى مستوى المسئولية التاريخية وإلى مستوى الموقف الخطير والأخطار المحدقة بها .. وفى مقدمتها الهجمة الأمريكية الصهيونية التى باتت تستهدف الإنسان العربى المسلم وهويته وأرضه وثرواته .

والعدوان الصهيونى الغاشم على رفح ومعسكر اللاجئين فيها يأتى فى أعقاب عدوان صهيونى فى عمق سوريا وقرب عاصمتها .. مع تصريحات للسفاح الصهيونى شارون يتوعد فى غطرسة أنه لن يتردد فى ضرب أى مكان أو موقع على ساحة عالمنا العربى والإسلامى يعاون أو يشجع شعب فلسطين وكأنه فى الوقت نفسه يبعث برسائل إلى الحكام العرب والمسلمين .. وإلى قمة منظمة المؤتمر الإسلامى فى ماليزيا خاصة وقد آزرته تصريحات أمريكية رسمية بررت وأيدت عدوانه .. وأنحت باللائمة على العرب ... متهمة إياهم بالإرهاب .. وتقويض دعائم السلام والأمن فى الكيان الصهيونى الغاصب .

وغضب الأمة وسخطها قد تصاعد .. خاصة بعد أن صعد العدو الصهيونى من إجرامه ووحشيته فى فلسطين المحتلة وامتد عدوانه حتى عمق سوريا ليقابل من حكوماتنا بالإعلان عن التمسك بالسلام المزعوم .. واللجوء إلى المنظمات الدولية أملا فى صدور قرار بإدانة الصهاينة وهو قرار رغم تواضعه الشديد .. وتجرده من الفاعلية ... أعلنت أمريكا أنها لن تدعه يمر ... الأمر الذى يعنى بمفهوم السياسة الأمريكية أن العدو الصهيونى الذى قتل الأبرياء فى رفح ومعسكر اللاجئين وهدم ودمر مساكن 1500 لاجئ فى معسكر اللاجئين فى رفح ودمر شبكات الكهرباء والماء حتى وصفه أحد مبعوثى الأمم المتحدة بأن المعسكر قد بدا وكأنه تعرض لزلزال شديد دمر أوجه وأشكال الحياة فيه ، إن بإمكان العدو الصهيونى أن يواصل ويصعد العدوان .. وستواصل واشنطن دعمه والوقوف إلى جواره ضد ألف مليون عربى ومسلم .

إجابة واضحة

إلا أن هذا العدوان الصهيونى الوحشى والمتصاعد ... والذى يسعى لتوسيع رقعة الاحتلال كما يثير الغضب والسخط الشعبى فهو يثير العديد من التساؤلات حول موقف الحكام والحكومات فإنه .. حول صلف صهيونى من قبل قوم قال فيهم القرآن الكريم (لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ)(الحشر14) وإزاء تراجع حكام وحكومات العرب والمسلمين الذين نزل فى أمتهم قول الحق سبحانه (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ )(آل عمران من الآية110) وإن كانت الإجابة عن واقع الحال الذى تعيشه الأمة .. لا تخفى على عين مخلصة متجردة فاحصة ، خاصة وقد انتشر وساد وظهر على الساحات من الوسائل والسبل والسياسات ما يتعارض مع رسالة الأمة العظيمة على ساحة أمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر.

إن الأمة كما قلنا ونعود فنؤكد تملك الأسباب والسبل الفاعلة فى مواجهة هجمة شرسة صارت مفروضة عليها .. وافتقاد هذه الأسباب والسبل والوسائل على الساحة أو تنحيتها .. هو سبب التراجع الذى نعيشه .. كما أنه فى نفس الوقت سبب تمادى العدو الصهيونى وتصعيده لعدوانه .. وسعيه فى غطرسة لتوسيع رقعة العدوان والاحتلال وطمعه فى إقامة مشروعه الصهيونى على حساب وجودنا ودورنا .. وفوق أنقاض ديارنا وأوطاننا .

إن مصدر الطاقة والحركة .. والرفض والإباء .. والتضحية والعطاء فى أمتنا هو الإيمان بربها وقرأنها ورسولها .. وحين تجرى تنحية الإيمان من حياة الأمة واحتكاما لشريعته .. أو عملا وسعيا وعيشا وحركة فى إطار نظامه .. أو نهوضا والتزاما بمثله وقيمه فى إطار تعاليمه ، أو زودا عن الأرض والديار والعزة والكرامة والحرية استجابة وامتثالا لقول الله سبحانه ( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ)(المنافقون من الآية8) وقياما بحقوق الأخوة التى جعلت المسلمين أمة واحدة .. وكما جاءت على لسان رسول الأمة وزعيمها وإمامها عليه الصلاة والسلام مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر" حين تجرى تنحية الإيمان يكون التراجع والذل والهوان .

والذى يدعو للعجب أن العدو الصهيونى الذى يحتل الأرض والديار .. ويواصل فى صلف العدوان والتوسع يرتكن إلى عقيدة ولو أنها قد شابها العبث والتغيير والتبديل والتحريف .. وأخذ ويأخذ بالأسباب المادية .. بينما أهل العقيدة الصحيحة التى لم ولن يتطرق إليها التغيير أو التبديل أو التحريف فقد نحوها من معاركهم وقضاياهم فى الداخل .. ومعاركهم وقضاياهم فى الخارج .. فصاروا يعيشون واقعا من التراجع جعلهم عرضة للعدوان والطمع .. لقد نحينا العقيدة .. ولم نأخذ بالأسباب .. وفى مقدمتها وعلى رأسها العلم .. الذى يضع مع الإيمان الأساس للبناء المتين ويوفر للأمة التقدم والنهوض بل التفوق والريادة ويهيئ لها أسلحة الذود عن حياضها وأرضها ومقدساتها ويعينها على أداء رسالتها ودورها الحضارى .

ملأنا الدنيا صراخا .. وأعلنا فى مختلف أقطارنا عن عشرات من الصواريخ .. والمدن العلمية والمنشآت الذرية .. إلا أن الأمر لم يتعد الدعاية للزعامات والأشخاص فى الوقت الذى كرس فيه العدو الجهود والطاقات على كافة المستويات والساحات ليصنع وينتج العشرات من الصواريخ والأسلحة الذرية والكيمائية ويدعم وجوده الغاصب بشتى أنماط السلاح فى ظل تقدم علمى وتكنولوجى مطرد .. ودون إعلان أو دعاية .. لنفاجأ اليوم بترساناته من أسلحة الدمار الشامل والإبادة التامة تهدد وجودنا وفى نفس الوقت تواصل الدعم الأمريكى له مالا وسلاحا لتؤكد دعمه وتأييده على حساب كافة العرب والمسلمين أصحاب الأرض والديار والمقدسات .. ونظمنا الحاكمة مسئولة دون شك ومسئوليتها أمام الشعوب عظيمة .. وأمام التاريخ والأجيال القادمة أعظم .. أما أمام الله سبحانه فهى مسئولية عسيرة وحسابها شديد .

ونظمنا الحاكمة مسئولة أيضا حين لجأت إلى إهدار حق الشعوب فى الحرية والأمن .. وإغلاق المجال أمام أصحاب الرأى والفكر .. وضياع فرص الابتكار والإبداع والاختراع عند العلماء والمتفوقين فأعطوا فكرهم وابتكارهم واختراعهم ما يدعم الأمة وينهض بها .. فأدت سياسة الكبت والاستبداد والقهر إلى فجوة بين الشعوب والحكام .. وإلى هجرة متواصلة للعقول عرفت طريقها إلى الخارج .. بما يصب فى سلة الآخرين وصالحهم .. ويحرمنا علم وفكر وإنتاج علمائنا .. ويبعد بين جامعاتنا ومجالات العلم والتكنولوجيا والنهوض والتقدم مهمشين دورها .. وصرنا ننتظر ما يسمحون أو يجودون به من فتات علم أو تكنولوجيا العصر أو فتات سلاح هو لا يعدو السيوف الخشبية حين تمنع عنا قطع الغيار .

تبجح وتراجع

فى العدوان الأخير على سوريا .. أعلن شارون أن سلاحه يطول أى مكان .. وقالت الأنباء أن الطائرات الصهيونية حلقت فوق القصر الجمهورى فى دمشق .. وهو أمر له دلالاته .. على أصعدة كثيرة .. منها الصعيد العلمى وفى الوقت نفسه جاءت الأنباء تقول أن الكيان الصهيونى الغاصب عقد اتفاقية مع الهند لنشر شبكة مراقبة فى أجوائها لرصد أى هجوم صاروخى ضدها .. وهى اتفاقية أقلقت باكستان .. وهو الآخر أمر له دلالته على الصعيد العلمى .

وهذا وذاك يضعنا أمام حقيقة ملموسة وهى أن هناك تفوقا علميا أحرزه العدو فى مواجهة غياب أو تغييب أقطارنا عن حلبة التكنولوجيا والعلم الحديث .. كما أن هناك عقيدة تحرك العدو وإن كان قد أصابها التحريف والتبديل .. فى مواجهة قوم نحوا العقيدة النقية الصحيحة المنزهة عن التحريف والتبديل .

إننا أمام واقع نملك أسباب تغييره .. إذا صحت العزائم وصدقت النوايا .. وغلبنا ما فيه صالح البلاد والعباد على ما فيه صالح الحكومات والزعماء

-         لابد من اعتماد والتزام العقيدة .. فى كافة أعمالنا .. وكافة قضايانا .. ليكون الإيمان هو الذى يحرك .. ويدفع للعطاء .. والبذل .. والصمود والإصرار .. ويكون السعى لرضا الله هو المقصد والهدف .. وبالتالى فيكون الحرص على تجنب ما يغضبه .. أو التقصير فيما أوجبه وليكون أيضا دافعنا ومحركنا إلى وحدة الصف والكلمة والتحام الحكام مع الشعوب .. وتوحيد الجهود والطاقات .

-         الإسلام وحده هو الذى يعطى الأمة طاقة الحركة وطاقات الجهاد، وطاقات العطاء والبذل .

-         الإسلام هو الذى يجعل القلوب تنتفض لمرأى المأساة الوضيعة التى تحل بالأشقاء والفلسطينيين .. فتتظاهر غضبا لله والأعراض وتحتمل على أعداء الحق الذى شنوا حربا دولية على فلسطين وشعبها العربى المسلم .

-         الإسلام وحده هو الذى يوحد الصف .. ويجعله السبيل الصحيح ويجمعه الهدف والغاية .. فى استجابة لصرخة أحمد ياسين المجاهد الصابر والصامد وإخوانه .. الذين يدافعون عن فلسطين .. ومما حول فلسطين ويدرءون عن الأمة شرا يستهدف وجودها وجذورها ، فحق عليها أن تدعمهم وتقف إلى جوارهم بالنفس والمال .. دفاعا عن العقيدة ، وعن الوجود والحضارة وثأرا لدماء سفكت ويتواصل سفكها وأعراضا هتكت وحرمات تنتهك .. وأطفال ييتمون .. وبيوتا يجرى تخريبها ..

-         أيضا لابد من اعتماد العلم سلاحا لتأكيد وترسيخ الإيمان .. وسلاحا لتحقيق التقدم والنهوض والتفوق وتخريج العقول التى تبدع وتبتكر وتخترع .. وليرافق ذلك حرص وإصرار على كسر الحصار المفروض حولنا ونحسب أن ذلك فى الإمكان حين تجتمع الكلمة .. وتحشد الإمكانات.

-         كما أنه لابد من النزول على حق الشعوب فى المشاركة وفى اختيارها لحكامها ومسئوليها وممثليها .. وإطلاق الحريات واحترام حق كل إنسان فى الأمن وإبداء الرأى والعمل والانتقال .. لنهيئ الأسباب كاملة أمام طاقات العطاء والابتكار والاختراع .

-         أيضا لابد من التزام قانون العدل والإنصاف لتكون المساواة .. ويتلاشى الظلم .. وتجف منابع الفساد .

ومع انعقاد المؤتمر الإسلامى فى ماليزيا يراود الأمل القلوب أن يصدر عن القمة قرارات تكون على مستوى الارتكان على الإيمان .. والأخذ بالأسباب و أداءً للأمانات ونهوضا بالمسئوليات .

لقد وعدنا الرب الجليل العظيم – والذى بيده ملكوت كل شئ وله جند السماوات والأرض ولا يعلم جنوده إلا هو – وعدا لا يخلف أن ينصر عباده المؤمنين ويمدهم بتأييده ما داموا مجاهدين فى سبيله مستقيمين على الحق الذى رسمه (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ)(غافر51) ( وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)(الحج من الآية40)

إن ربنا لم يشترط علينا إلا أن نؤمن به وحده .. ونعتمد عليه وحده .. ونفعل ما يأمر به .. ونجتنب ما ينهى عنه .. ونأخذ بالأسباب .. فنتقدم فى العلم ونتفوق فى السلاح .. لا لندمر أو نهيمن .. أو نصادر حق الآخرين فى الأمن والحياة .. ولكن لندفع عن أنفسنا وأوطاننا .. كما نقيم العدل والإنصاف ونمنع فرض النفوذ والهيمنة .. ولنكون عند وعد الله (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)(النور55)

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026