الصوم الحقيقي عدم إيقاظ الفتن النائمة

الصوم الحقيقي عدم إيقاظ الفتن النائمة

د. يونس الاسطل
2005-10-13

هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون المنافقون ما كادت غزوة بني المصطلق تتمخض عن انتصارنا وحصولنا على مغانم…

{هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ }المنافقون (7)

ما كادت غزوة بني المصطلق تتمخض عن انتصارنا ، وحصولنا على مغانم كثيرة، حتى أكلت الحسرة قلب عبد الله بن أبيّ بن سلول المعروف برأس المنافقين، وجعل يتحين أية فرصة لإحداث فتنة تذهب بنشوة الانتصار ، وتزرع العداوة والبغضاء في نفوس الفرقاء.

وقد انتهز حادث اختصام غلامين عند ماء المريسيع، وهي بئر يردها بنو المصطلق ، وكان من نبأها أن خادماً لعمر بن الخطاب، ويدعى جهجاه الغفاري، قد لطم سناناً الجهني، وهو من الأنصار، نظراً لاصطدام دلائه بوعاء أخيه، فاستغاث سنان بالأنصار، بينما نادى الثاني على المهاجرين ، فلما بلغ ذلك رأس المنافقين قال أوقد فعلوها؟! ما مثلنا وجلابيب قريش إلا كما قال القائل (سمّن كلبك يأكلك) ثم ناشد قومه أن يقطعوا المعونة المقدمة للمهاجرين، حتى تضطرهم الحاجة إلى الانفضاض عن المدينة، بل بلغ به الصلف أن يقرر أنه بمجرد وصوله إلى المدينة سيقوم بطرد رسول الله منها ذليلاً ، ليعلم أن العزيز في المدينة هو ابن سلول نفسه، وهو ما حكاه القرآن في الآية اللاحقة لآية المقال {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ } فردّ القهار عز وجل عليه {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ }  لقد خيّل لابن سلول أنه صاحب الشرعية في السيادة على المدينة المنورة فقد هاجر النبي عليه الصلاة والسلام إليها وإن أهلها لينظمون الخرز ليتوجوا ذلك الرجل عليهم، لذلك فقد فَقَد ملكاً كان ينتظره فجاهر بعداوته إلى أن نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ، فوجد نفسه مضطراً لاتقاء شوكة الإسلام بالتظاهر باعتناقه، واللجوء إلى المكائد والوقيعة، وكان أمله في يهود المدينة كبيراً، أن يتمكن بممالأتهم أن يقضي علينا، أو نضطر إلى الجلاء ، ولكن رأس النفاق لم يوأد أمله بعد في القدرة على إنهاء الوجود الإسلامي ، لعله يستعيد بساط الملك في يثرب، كما يظن كثير من أضرابه اليوم أنهم قادرون بالتآمر مع القوى الإقليمية والعالمية أن يضيقوا الخناق على الإسلام الزاحف على مواقع صناعة القرار، لعلهم يبقونه في التشريعي ديكوراً هزيلاً، أو يحولون دون وضع أقدامنا فيه، إما بتأجيل الاقتراع إلى أجل غير مسمى، وإما بنزع الشرعية عنا، وعدم الإذن لنا بالدخول إلى مباراته.

وقد كان من سياستهم أن يمنعوا شباب الدعوة الإسلامية من الحصول على أية وظيفة، لعل المخمصة تحملهم على ترك دينهم أو ولائهم للحركة الإسلامية ، ولكن الله سلّم، فما زاد شبابنا ذلك إلا إيماناً وتسليماً، فهم يعلمون أنهم سيبتلون بشيء من الخوف ، والجوع، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ، لينالوا أجر الصابرين، وعلى الرغم من إلغائهم ما يسمى بالسلامة الأمنية نظرياً ، إلا أنهم عملياً قد زادوا من قبضتهم ، لا في الاحتياط للوظائف الجديدة وحدها، ولكن في غربلة الموظفين السابقين، وإنقاصهم من أطرافهم ، ولكن الذي يربط على قلوبنا هو إيماننا بأن لله خزائن السماوات والأرض، ولكن المنافقين لا يفقهون.

لقد استطاع النبي صلى الله عليه وسلم ان يواري تلك الفتنة تحت الثرى بان اعلن الرحيل في ساعة لم يكن يرتحل فيها عادة ثم سار باصحابه بقية النهار وطيلة لليل ،الى ضحى اليوم التالي ،وما كاد يامر بالنزول حتى ضرب الله النوم على اذانهم ،فذهب اثر الفتنة ،وفشلت المؤامرة ،ولكن ابن سلول لم يياس ،ولا بد من اغتنام فرصة اخرى .

ان سرعة الرحيل عن ديار بني المصطلق جعلهم ينطلقون وقد تركوا ام المؤمنين عائشة خلفهم ،فقد غابت ساعتها في قضاء حاجتها ،فكان ان عثر عليها دابر القوم صفوان بن المعطل ،فجاء بها في اليوم التالي يقود ناقتها ،فما كان من كبير مجرميها الا ان قال "هذه زوجة نبيكم تبيت مع رجل من المسلمين ،فوالله ما خلا منها ،ولا خلت منه " واخذت هذه الفرية تسري على الألسنة سريان الشرارة في الهشيم ،وتاخر الوحي شهرا قبل ان ينزل مطلع سورة النور ،حتى اضطر نبينا عليه الصلاة والسلام ان يقف على المنبر ،وان يقول "من يعذرني من رجل بلغني اذاه في اهلي "،فتأهب سيد الاوس لذلك ،ورفض سيد الخزرج بما ان عبد الله بن ابي كان منهم ،وكادت تحدث فتنة ثانية لولا ان الله وقى شرها ،واستغفر رجال الخزرج عن تعصبهم لذلك المنافق.

ولا بد هنا من الاشارة بموقفين لعبد الله بن عبد الله بن سلول ،وكان صادقا في اسلامه

الاول ان وقف على باب المدينة شاهرا سيفه لابيه ،واقسم الا يدخلنها حتى ياذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ليعلم ان الرسول هو الاعز ،وانه هو الاذل .

والثاني انه جاء للنبي عليه الصلاة والسلام قائلا ان كنت تريد قتال ابي فمرني آتك براسه ،فقد اتاني انك راغب في قتله.

ان الصيام الحقيقي هو الامساك عن المؤامرات ،وعن الولاء لليهود ،وكذا الاحجام عن اختلاس المال العام ،وعن الولوغ في دماء الابرياء ،وهو التجافي عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن ،وبالجملة فهو اجتناب جميع ما حرم الله ورسوله ،والا كان اهله قد صاموا عما احل الله ،وافطروا على ما حرم الله ،والمصيبة الاعظم ان يفطروا على الامرين معا.

والعياذ بالله تعالى

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026