كاتب وصحفي فلسطيني يرى بعض المؤرخين أن التاريخ يعيد نفسه فيما يعتمد آخرون مقولة أن التاريخ يتشابه في أحداثه وأيا تكون العبارة الصحيحة فإن الأحداث العاصفة التي مرت بعلاقة حركة…
كاتب وصحفي فلسطيني
يرى بعض المؤرخين أن التاريخ يعيد نفسه ، فيما يعتمد آخرون مقولة أن التاريخ يتشابه في أحداثه ، وأيا تكون العبارة الصحيحة فإن الأحداث العاصفة التي مرت بعلاقة حركة حماس كبرى حركات المقاومة الفلسطينية ، والسلطة الفلسطينية لاسيما أجهزة الأمن فيها ، تذكرنا بأحداث أشد عصفا ميزت هذه العلاقة قبل عقد من الزمن ، ولكن بصورة أكثر ضراوة ... الأمر الذي يدفعنا للتساؤل بكل حذر هل أن العلاقة القائمة حاليا مرشحة للعودة إلى تلك الأيام العصيبة التي مرت بطرف واحد ، بفارق جوهري أن هذه الأيام العصيبة قد تشمل الطرفين هذه المرة لظروف مختلفة سنأتي على ذكرها ....
ولكن حبذا أن نستشرف ولو بصورة مبدئية الخطوط العريضة والعامة التي ميزت هذه العلاقة خلال الشهور القليلة الماضية ، ومن ثم محاولة الإجابة عن السؤال الذي تصدر المقال ...
لقد أكدت حركة حماس أكثر من مرة أن الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة ، كان ثمرة مقاومة ضارية امتدت لأكثر من خمس سنوات ، دفعت خلالها الحركة أبرز قادتها ومقاتليها ثمنا لهذا الإنجاز الوطني الكبير .
ومع أن الأحداث التي تلت الانسحاب الإسرائيلي لاسيما المظاهرات والاحتفالات أظهرت انحيازا جماهيريا منقطع النظير لصالح الحركة، إلا أنها لم تحاول ولو لمرة واحدة الانقضاض على السلطة ومحاولة السيطرة عليها ، رغم حالات الضعف والإعياء التي مرت وما زالت تمر بها تلك السلطة، لاسيما على صعيد الاستقطابات والتجاذبات الداخلية التي تمر بين قياداتها وأركانها ، التي لم تخف هذا التجاذب ، والذي أخذ أبعادا دموية في بعض الأحيان .
ومع أن موقف حركة حماس اقتصر خلال الفترة الماضية على معارضة برنامج السلطة الفلسطينية معارضة لفظية فقط ، ولم تحاول الحركة التوجه نحو استخدام القوة ضدها ، إلا أن هذه السلطة ذاتها وعلى رأسها حركة فتح ، شعرت بعمق المأزق الذي وصلت إليه ، لاسيما على صعيد التضامن الشعبي المتواضع الذي ميز احتفالاتها ، مما دفعها إلى أن توحد جهودها بمساعدة وضغوط إقليمية ودولية ، ليس بصدد احتواء أو دمج حركة حماس ، وإنما القضاء عليها قضاء مبرما ، فقد أيقنت تلك الأطراف مجتمعة أن هذه الأساليب – الاحتواء والدمج والتدجين - لن تجدي مع حركة تعمقت جذورها بين الجماهير ، وتجاوزت إلى حد بعيد الأطر التنظيمية والحزبية الضيقة ، لتصبح حركة شعبية جماهيرية ، أو كما يقولون في علم السياسة تحولت حماس من صورة التنظيم الحزبي إلى صورة الفكرة والمبدأ الذي يعتنقه الآلاف ، حتى لو لم يؤطروا في صفوفها ، وهذا يعتبر قفزة نوعية في فكر الحركة وسلوكها السياسي على أرض الوقع، لاسيما في ضوء التضحيات التي قدمتها خلال سنوات الانتفاضة .
فماذا أعدت السلطة الفلسطينية لمواجهة هذا المد الجماهيري ، وما هي السيناريوهات المحتملة التي قد تشهدها الأيام القادمة لهذه العلاقة ؟؟
1- من الواضح أن السلطة وبعد ان أصيبت بانتكاسة واضحة خلال انتفاضة الأقصى ، من خلال انكشاف ظهرها تماما خلال الاجتياحات الإسرائيلية المتعاقبة ، وبقاء سلاحها في مخازن العتاد ، وغير مسموح له بأن يظهر خلال اشتباكات المقاومين مع جنود الاحتلال ، مع إدراكنا لطبيعة التعقيد القائم في علاقة السلطة بإسرائيل والاتفاقيات المعقودة معها، إلا أن الاستطلاعات التي تلت الانسحاب الإسرائيلي من القطاع أظهرت بوضوح لا لبس فيه أن نسبة كبيرة من الفلسطينيين يعيدون الفضل في تحققه إلى فصائل المقاومة ، وعلى رأسها حركة حماس .
ولذلك سعت السلطة مباشرة بعد الانسحاب الإسرائيلي إلى تثبيت مواقعها التي فقدتها ، من خلال جس نبض قوى المقاومة وخاصة حماس ، الأمر الذي ميز هذه العلاقة خلال الأيام الأولى ، وخلال ذلك ترسيخ أجهزة الأمن ، واعتماد سياسة الزحف المتدرج على مواقع الحركة الجماهيرية ، ومن ثم تصلب السلطة في مواقفها ، وخصوصا بشأن جمع أسلحة المقاومة وملاحقة " المظاهر المسلحة " ، وهي أمور ظلت السلطة تتجنب الحديث عنها خلال الفترة الماضية .
2- ليس واضحا في ضوء إظهار حماس بعض أوراقها الميدانية - سواء كان رسميا أم فرديا - في التعامل مع اعتقال عناصرها مؤخرا ، أن السلطة قد تقدم على فتح هذا الملف بالصورة التقليدية التي اعتاد عليها الفلسطينيون خلال السنوات الماضية ، حين كان يقدم أفراد الأمن الفلسطيني ويداهمون المنازل ويفتشونها ، ويقتادون أبناء الحركة بكل أريحية إلى أقبية التحقيق ، فقد أصبح جليا واضحا سواء من خلال تصريحات قادتها أو ردود فعل عناصرها ميدانيا ، ان حماس ليست بصدد العودة إلى تلك الأيام مهما كلفها ذلك ... ومع ذلك ، فإن هذا لا يمنع استمرار أجهزة أمن السلطة في ممارسة لعبة القط والفأر ، وتنفيذ عمليات اختطاف مفاجئة لعناصر وكوادر الحركة،وهذا ما حصل في الضفة الغربية مؤخرا ..
3- الغريب في الأمر أن السلطة لم تحاول هذه المرة إقناع حماس بالمشاركة في مناصب قيادية داخل السلطة ، أو التعجيل بإجراء الانتخابات البلدية والتشريعية ، بعكس ما كان الوضع عليه خلال الفترة الأولى لقيام السلطة ، فقد استجابت السلطة أكثر من مرة لضغوط خارجية – إسرائيلية وأمريكية – بتأجيل هذه الانتخابات ، والآن بعد الانسحاب الإسرائيلي وما رافقه من حيثيات سبق الحديث عنها تتعلق بشعبية حركة حماس ، أصبح هناك مطلب فتحاوي داخلي ، لاسيما في الصفوف القيادية الأولى بضرورة تأجيل الانتخابات وإلغائها في فترة لاحقة .
ورغم صدور بعض المراسيم الرئاسية التي تحدد مواعيد هذه الانتخابات ، إلا أن الفترة القادمة ستشهد مماطلة مكشوفة لكسب الوقت ، وربما ما تم تسريبه مؤخرا من أن التوجه الحالي لدى السلطة بتأجيل الانتخابات تحت ذريعة الفلتان الأمني هو الأكثر ترجيحا !!
4- بالموازاة مع ذلك ، واصلت السلطة محاصرة حركة حماس من خلال الضغط على أنصارها ومحاربتهم في أرزاقهم تحت ما بات يعرف " السلامة الأمنية" ، الأمر الذي تعول عليه السلطة لانفضاض أولئك العناصر عن حركتهم ، تحت ضغط الحاجة ولقمة العيش ، ويأتي هذا البند بالذات في ظل رفع السلطة لشعار الشراكة السياسية ، الأمر الذي يدل على ازدواجية في الخطاب والممارسة في ذات الوقت .
وقد شملت هذه المحاصرة المؤسسات الخيرية المقربة من الحركة ، من خلال وقف التمويل اللازم لها، والانخراط عالميا في مخطط "تجفيف المنابع" لمواجهة الجماعات الإسلامية .
5- ربما ما ميز أسلوب مواجهة السلطة لحركة حماس هذه المرة ، حجم الهجوم الإعلامي على الحركة ، لاسيما من خلال حجم الإذاعات والقنوات التليفزيونية الرسمية والخاصة ، وأصحاب الأقلام الذين كانوا على الدوام ضد المقاومة ، فكرا وسلوكا، ولذلك شهدت الفترة الماضية توظيفا مخجلا لأدوات إعلامية يفترض أن تكون وطنية ورسمية ، تنفيذا لأغراض حزبية ضيقة ، أو إن شئت قل شخصية بحتة .
لم يكن معقولا أن يجند التلفزيون الفلسطيني ، وهو تلفزيون كل الفلسطينيين كما يفترض على الأقل ، لشن حملة إعلامية شرسة ضد حركة حماس ، بصورة تتنافى مع أبسط الأعراف الوطنية ، فضلا عن التقاليد المهنية المرعية ، في ظل تغييب كامل للرأي الآخر ، لدرجة أعادت إلى الأذهان القنوات التليفزيونية العربية الرسمية (القديمة) ، وكأن القائمين على هذا التلفزيون – إعلاميين كانوا أم سياسيين- لم يدركوا بعد أن الفضائيات اليوم تجاوزت هذا النهج التعتيمي المظلم والمتشنج ...
تلك بعض أبرز سيناريوهات العلاقة المستقبلية بين السلطة وحركة حماس ، وتبقى إجابة السؤال الذي ذكرناه في صدر هذا المقال في علم الغيب ، ومع ذلك فإن قراءة هادئة لسلوك الطرفين في تعاملهما مع الأزمات الأخيرة تؤكد بصورة لا تقبل الشك أن " قواعد اللعبة" قد تغيرت ، الأمر الذي يحتم البحث عن قواعد جديدة ، يغلب عليها الحرص الوطني وتغليب العام على الخاص ، وإفساح المجال أمام الجميع – كل الجميع – لمشاركة في إدارة هذه البقعة الصغيرة من وطننا ، بعيدا عن مفاهيم الإقصاء والاستبعاد .....