دروس بطعم الدم...

دروس بطعم الدم...

مؤمن بسيسو
2005-10-11

في الأفق الفلسطيني غيوم متلبدة وعواصف محتملة تتهيأ لإحداث تعديل في الموازين الداخلية وتغيير شروط الواقع ومحدداته الراهنة أملا في استعادة ما فات والتقاط زمام المبادرة من جديد…

في الأفق الفلسطيني غيوم متلبدة وعواصف محتملة، تتهيأ لإحداث تعديل في الموازين الداخلية، وتغيير شروط الواقع ومحدداته الراهنة، أملا في استعادة ما فات، والتقاط زمام المبادرة من جديد.ما يعيبنا -كفلسطينيين- أننا نعجز عن القراءة الموضوعية للأحداث ومآلاتها، ونفشل في استخلاص الدروس والعبر من رحم الأوضاع وتطوراتها، ونمعن في الامتثال لأجنداتنا الحزبية ورؤانا الذاتية إزاء كل حدث وقضية!!هي دروس متوالية، مضمخة بالدماء، وتشكل النصف الآخر للحقيقة، والجذر الحقيقي للأزمات المتعاقبة في ساحتنا الداخلية، لكن أحدا لا يرغب في الاعتراف بها، أو يلقي بها -قصدا- في أتون التجاهل والإهمال.

ما يحدث هنا وهناك يُعبّر عن أزمات متناثرة تتفرع عن أزمة كبرى هي أزمة النظام السياسي الفلسطيني برمته. فهذا النظام قد بلغ درجة عالية من الترهل والفساد والفشل الإداري والضعف السياسي، انعكست بدورها على مختلف مناحي الحياة الفلسطينية، وأنبتت نبتا سيئا في مختلف الميادين، ما يعني أن مكمن الحل والعلاج ينبغي أن ينطلق من إعادة صياغة النظام السياسي الفلسطيني بشكل شمولي، وإعادة النظر في جملة القواعد والمنطلقات والمحددات التي ينبني عليها، ولفظ السيئ المهترئ منها، وزرع أسس جديدة أكثر عدالة واستقامة ومسؤولية، تتكيف مع الوطن ومصالحه، وتراعي قضاياه، وتواجه تحدياته.

إننا -شئنا أم أبينا- أمام واقع جديد أفرزته انتفاضة الأقصى، تُشكل الفصائل المسلحة ذات القوة التسليحية الكبيرة، كما ضعف السلطة أو قل غيابها عن ساحة المبادرة والفعل والتأثير أحد تجلياته. ولا ريب أن هذا الواقع قد خلّف حالة من التجاذب الحاد والاحتقان المستمر بين الطرفين، أثمرت انعداما في الثقة، وهيجانا للهواجس والشكوك، وتوتيرا للعلاقة المتبادلة. فالفصائل، وعلى رأسها حماس، ترى نفسها حامي الوطن ودرعه الواقي في مواجهة العدوان والاجتياحات، وصاحبة الفضل في طرد الاحتلال في مقابل استنكاف السلطة عن حماية شعبها، واكتفائها بالمراقبة على رصيف الانتظار، وتعتقد أن السلطة تحاول إقصاءها عن الانخراط في المؤسسات الوطنية، وتهميش مستوى فاعليتها في الشارع الفلسطيني، وتتحين الفرصة المناسبة لضربها، وخطف بريق الانتصار منها، بينما ترى السلطة نفسها صاحبة الشرعية، والحق في فرض القانون والنظام، وإدارة الواقع الفلسطيني بشكل كامل، وتعتقد أن حماس تقود مشروعا بديلا، وتقيم سلطة موازية، وتتأهب للانقضاض على السلطة بقوة السلاح، ومحاولة تغيير شروط الواقع السياسي والداخلي الراهن الذي ألفته الطبقة الفلسطينية الحاكمة -وما يحمله من مغانم وامتيازات- عبر نيتها المشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة.

أمام أزمة الثقة الخطيرة الراهنة ينبغي للطرفين أن يجلسا إلى طاولة واحدة، تطرح عليها كافة محاور وأوجه الخلاف، بكامل الشفافية والمصداقية والمسؤولية، للوصول إلى اتفاقات ومواثيق شاملة، تضع النقاط على الحروف، وتناقش القضايا الكلية والتفصيلية على السواء، وتنزع كافة الشكوك المتبادلة، في إطار من الحكمة والاحترام المتبادل، يقضي بنوع من التنازلات المتبادلة، وتنقية الخطاب الإعلامي الفلسطيني من أدران الهجوم والطعن والتشويه، وتكريس الاتجاه نحو الشراكة السياسية، وإلغاء مفردات الإقصاء والتهميش من القاموس الوطني.

خلاف ذلك فإن الساحة الداخلية ستبقى مرشحة للتلظي بحمم الخلاف والتجاذب بين الطرفين.

هو حل وحيد، ولا حل سواه

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026