وبعد أن خرجت خطة الفصل إلى حيز الوجود وأعلنت إسرائيل رسميا انتهاء الحكم العسكري لقطاع غزة بدأت السيناريوهات الأمنية والعسكرية التي أعدها جنرالات الجيش الإسرائيلي تخرج من الأدراج…
*
وبعد أن خرجت خطة الفصل إلى حيز الوجود ، وأعلنت إسرائيل رسميا انتهاء الحكم العسكري لقطاع غزة ، بدأت السيناريوهات الأمنية والعسكرية التي أعدها جنرالات الجيش الإسرائيلي تخرج من الأدراج لاستعراض البدائل المفترضة للرد على أي سيناريو قد تشهده الأراضي الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية .
وبالفعل خلال أقل من أسبوعين أعلنت إسرائيل (عمليا) بدء التصعيد العسكري الميداني، ولكن بصورة أكثر عنفا ودموية، ربما فاجأت الكثيرين، لأنهم توقعوا أن الردود الإسرائيلية على أي مبادرة للمقاومة الفلسطينية لن يخرج عن طوره الذي اعتدنا عليه طوال السنوات الماضية.
إلا أننا في تقييمنا للسلوك الإسرائيلي المتطور – كما نوعا- لا يجب أن يغيب عن بالنا أن العقول المدبرة لخطة الفصل في الجيش الإسرائيلي ، لاسيما الجنرال " غيوري أيلاند" رئيس مجلس الأمن القومي ، و"يسرائيل زيف" رئيس وحدة العمليات في هيئة الأركان التابعة للجيش الإسرائيلي ، أكدوا في أكثر من مناسبة أن طبيعة الميدان العسكري في القطاع سيختلف بصورة كبيرة عما كان الوضع عليه قبل الانسحاب منه ، الأمر الذي وجد طريقه من خلال عدد من اللقاءات التي عقدتها شعبة التخطيط التابعة لهيئة أركان الجيش ، وبعض مراكز البحوث والمؤسسات الإعلامية في إسرائيل ، للبحث في كيفية الرد على أي مستجدات قد تشهدها الساحة الغزية بصورة خاصة ، الأمر الذي شهدته الأيام الأخيرة .
• قطاع غزة وأمن إسرائيل .. أي علاقة ؟
لا تكاد المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية تفصل البتة، بين أمن تل أبيب والوضع في قطاع غزة، لأنها تعتقد تماما أن هناك علاقة جدلية بين المنطقتين الجغرافيتين، من عدة نواحي
- بفعل الإغلاق البري للحدود التي تربط قطاع غزة بفلسطين المحتلة عام 1948 ، تمكنت إسرائيل وأجهزتها الأمنية بصورة ملفتة من الحد ، بل والقضاء على أي إمكانية لتنفيذ عملية استشهادية ينفذها مقاومون من غزة ، فالوضع مغلق تماما.
- في مقابل هذا النجاح الإسرائيلي ، تمكنت قوى المقاومة الفلسطينية من التغلب على هذه العراقيل الجغرافية ، من خلال تطوير أسلحتها ومقدراتها اللوجستية ، التي أسفرت عن اختراع الصواريخ المحلية الصنع ، بل وتطوير وإطالة مداها بصورة مزعجة جدا للإسرائيليين ، الأمر الذي شكل فشلا ذريعا ومحرجا للمؤسسة الأمنية في إسرائيل ، وأفرزت مزيدا من المخاوف لمستقبل الوجود الإسرائيلي داخل القطاع .
- هذه المخاوف زادت حدتها على الفور ، بعد استكمال قوات الاحتلال الإسرائيلي لانسحابها من القطاع ، لاسيما بعد أن أصبحت التجمعات الاستيطانية التي تقع مباشرة على حدود قطاع غزة الشرقية ، وخاصة تجمعات " نيرعام ، نتيف هعسراه، سديروت" ، تقع جميعها في مرمى الصواريخ والقذائف الفلسطينية .
لم يستطع الإسرائيليون إخفاء مخاوفهم من كوابيس القسام – في إشارة إلى صواريخ حركة حماس- التي ستوجه محطات إطلاقها باتجاه هذه التجمعات بعد ان أخلي القطاع من المستوطنات والمواقع العسكرية،ما جعلهم يستذكرون على الفور ما أطلقوا عليه"أيام الفدائيين" في عقدي الخمسينات والستينات،حين استهدفوا هذه التجمعات قبل العام 1967.
هذه المخاوف أثقلت من العبء الذي يحمله القادة العسكريون في جيش الاحتلال ، وبالتالي تيقنهم أن الانسحاب من غزة يحمل مخاطر عديدة ، تحدث عنها معارضو تنفيذ الخطة ، بصورة موسعة.
• بدائل عسكرية بحتة .. بعيدا عن السياسة
لم تنتظر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية طويلا ، بل استنفرت وحداتها القتالية ، ومؤسستها التصنيعية في رئاسة الأركان ، للبحث في البدائل الفنية والتقنية المفترضة للرد على أي عمل مسلح قد يخرج من غزة باتجاه هذه التجمعات ، وكانت النتائج على النحو التالي
- وضع محطات إنذار مبكر للصواريخ المنطلقة من غزة باتجاه إسرائيل ، للعمل على إحباط مفعولها أو على الأقل إسقاطها قبل وصولها لأهدافها .
- إبقاء قطاع غزة تحت المراقبة الدائمة من قبل الطائرات الاستطلاعية الإسرائيلية ، ولذلك كشفت إسرائيل مؤخرا عن توقيعها اتفاقية لشراء كمية من هذه الطائرات بصفقة قدرت قيمتها بخمسين مليون دولار .
- نشر العديد من الوحدات والكتائب العسكرية على طول الحدود الشرقية مع قطاع غزة ، لاستكشاف أي محاولة للتسلل من القطاع باتجاهها .
- التشديد على السلطة الفلسطينية في نشر قواتها لمراقبة الحدود الشرقية للقطاع مع إسرائيل ، ومراقبة هذا الانتشار من خلال لقاءات التنسيق الأمني والموفد الأمريكي الأمني .
ورغم أن وسائل الإعلام الإسرائيلية مؤخرا روجت بصورة مبالغ فيها ، لمسألة السيطرة الكاملة التي سيبقى يتمتع بها الجيش داخل قطاع غزة ، من خلال بقاء القطاع بأزقته الضيقة ، وشوارعه غير المعبدة ، كصفحة بيضاء مفتوحة أمام طائرات الاستطلاع ، إلا أنه في الوقت ذاته ، هناك توقعات عسكرية تشير إلى أن هذه الإجراءات التي أعلن عنها الجيش الإسرائيلي لن تكون بالنجاعة المطلوبة ، التي يتوقعها كبار الضباط ، بسبب غياب ما أسموه بـ"التغطية الأرضية " لسلاح الجو ، الأمر الذي يشي بإمكانية فشل واضح لقوى الأمن الإسرائيلية في السيطرة على الأوضاع الميدانية داخل القطاع ، رغم ترسانة الأسلحة المتقدمة والنوعية التي تمتلكها .
لذلك هناك قناعة كبيرة في الأوساط الإسرائيلية – العسكرية والإعلامية- أن الجهد الكبير الذي بذله شارون ضد قوى المقاومة، فشل نسبيا في تحقيق أهدافه وهو في قلب غزة، الأمر الذي لن ينجح بالتأكيد فيما هو خارجها ويتعامل مع المقاومين عبر "الريموت كونترول" ! باستثناء الضجة الكبيرة التي قد يحدثها من خلال سلاح الجو ، والاستعراضات العسكرية التي ينشرها على طول الحدود في خطوة منه لبث الرعب في قلوب الفلسطينيين ، أملا منه في إحداث فجوة بينهم وبين قوى المقاومة .
• العلاقة المستقبلية مع الفلسطينيين
لم يعد سرا ، وقد أغلق ملف قطاع غزة ، على الأقل ظاهريا بالنسبة لإسرائيل ، وإعلان نائب رئيس الوزراء "شمعون بيريز" أن قطاع غزة تحول منذ اليوم إلى مشكلة فلسطينية ! أن "شارون" أراد بعد تنفيذ الخطة أن ينفض يده نهائيا من عملية التسوية ، والحوار مع الفلسطينيين ، وقد عبر عن ذلك بكل صراحة "دوف فايسغلاس" كبير مستشاري شارون حين قال معقبا على خطة الفصل إن فك الارتباط يأتي لإسدال الستار على أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية !!
ولذلك فإن العلاقة المتوقعة مستقبلا مع الفلسطينيين ، لن تخرج عن واحد من هذه المسارات
1- المزيد من الضغوط الإقليمية والدولية على السلطة الفلسطينية للإقدام على خطوة نزع سلاح المقاومة ، بأي ثمن ، وتجنيد كل وسائل الضغط في سبيل ذلك ، الأمر الذي شاهدناه في مطالبة الرئيس الأمريكي في أوج تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي من غزة ، ثلاث مرات في أسبوع واحد من السلطة الفلسطينية هذا المطلب !!
2- الإبقاء على مستوى الحوار والتفاوض مع السلطة الفلسطينية في القضايا الفنية الآنية ، مثل فتح معبر ، إدخال بضائع ، تسهيل مرور العمال ، وهكذا ، بمعنى تقزيم هذه العلاقة ، ومن ثم هذه السلطة ، من شريك تفاوضي في مشروع دولي للتسوية ، إلى مجرد إدارة محلية تعني بتلك الأمور الحياتية والمعيشية لسكانها .
3- الحيلولة بكل قوة دون إقامة أي كيان رسمي وعلني للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، على الأقل في المرحلة الحالية التي تسبق إجراء الانتخابات البرلمانية في إسرائيل، خلال الربع الأول من العام القادم .
وبعد أن بدأت تجني إسرائيل المكاسب السياسية والدبلوماسية بعد تنفيذ خطة الفصل من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية ، فإنها ستشعر أنها في حل من أي التزامات سياسية مفترضة حيال السلطة الفلسطينية ، بالعكس ، فإنها نجحت - إلى حد ما – في إقناع العالم أنها عملت كل ما بوسعها ، من خلال العرض "السينمائي" لعملية إخلاء المستوطنين من القطاع ، والعروض التطبيعية المغرية التي انهالت عليها من قبل دول عربية وإسلامية .
*كاتب وصحفي فلسطيني