الأسرى في القلب

الأسرى في القلب

د.محمود العجرمي
2012-12-24

يشكل الأسرى قاسما وطنيا وثابتا لكل أبناء الشعب الفلسطيني وقواه المناضلة الحية الأسرى هم الأبناء الأعز وهم الذين يضعون الروح على راحة اليد يقدمونها رخيصة وفداء لأقدس وأغلى الأوطان…

 

يُشَكّلُ الأسرى قاسماً وطنياً وثابتاً لكل أبناء الشعب الفلسطيني وقواه المناضلة الحية. الأسرى هم الأبناء الأعز، وهم الذين يَضعون الروح على راحة اليد، يُقدمونها رخيصةً وفداءً لِأقدس وأغلى الأوطان، فلسطين.

لم تكن عملية "وفاء الأحرار" العلامة الأولى على طريق إطلاق سراح أسرى الحرية الأماجد ولكنها أرست أساساً صُلباً لبرنامج فصائل المقاومة التي كسرت كل محرمات العدو والتي سبقتها عمليات بطولية شكّلت محطات بارزة في تاريخ العمل الكفاحي الفلسطيني لتحرير الأرض والإنسان وبناء الدولة الوطنية كاملة السيادة.

العمليات الناجحة والفعّالة التي كسرت قيد هذه النخبة المتقدمة من مناضلي الشعب الفلسطيني جرت قبل التوقيع على اتفاقية الإذعان والمهانة الذي أسموه "أوسلو" والذي شكّل منعطفاً بالغ الخطورة في تاريخ العمل الوطني الفلسطيني وعلى الثوابت الوطنية.

وهنا سأتناول جانباً واحداً يتعلق بالأسرى والذي لم يكن فقط من بين القضايا التي أُجِّلَتْ إلى مفاوضات الوضع النهائي وإنما وُضِعَت جانباً تماماً، فلم تكن من الأولويات بأي حال !!

كنت في شهر تشرين/فبراير عام 2004 في زيارة رسمية إلى جمهورية جنوب أفريقيا أترأس وفد فلسطين للمشاركة في يوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني، وكانت مناسبة للقاءات متعددة مع هيئات رسمية وأخرى غير حكومية.

كان من ابرز ما أُثير في هذه الاجتماعات خاصة تلك التي جرت مع قادة الأحزاب ومع رؤساء مراكز البحث والدراسات الاستراتيجية ذاك الذي يتعلق بتأجيل المسائل الرئيسية (المستوطنات، اللاجئين، القدس، الأمن ...الخ) إلى المرحلة النهائية.

لقد اعتبر كل من التقيت أن هذه خطيئة نجلاء، في الوقت الذي يرى فيه الجميع اليوم، النتائج الخطيرة لهذه السياسة التفاوضية الحمقاء وعلى كل الصُعُد!

يقول الوطنيون الجنوب أفريقيين الذين فاوضوا أعداءهم سَدَنة نظام التمييز العنصري للبيض في "بريتوريا"، بأن أول شرط فرضوه لقيام نظام ديمقراطي يتساوى فيه وعلى قدم المساواة في حقوق المواطنة جميع سكان البلاد من بيض وسود ومُلوَّنين وآسيويين هو إطلاق سراح جميع الأسرى والمعتقلين، وعودة جميع المبعدين وخروج جميع المناضلين المقاتلين من قواعدهم في الغابات والمدن والقرى ليشكلوا الأجهزة العسكرية والأمنية والشرطية للنظام الجديد.

فأين مفاوضونا من هذه القضية، وكيف أداروا دفة المفاوضات مع العدو "الصديق والجار" في كل ما يختص بشأن يمس كل بيتٍ فلسطيني، هذا إذا علمنا أن مجموع من اعتقلهم وأسرهم جيش الاحتلال العنصري الاستيطاني الاجلائي ومنذ عام 1967 يربو على مليون مواطن فلسطيني !!

ولا نُجافي الوقائع حين نؤكد حقيقةً راسخة أنه لم يكن الأسرى يوماً هماً حقيقياً أو مركزياً "لقيادة المقاطعة"، وهنا يتبدى جلياً في قيود "اتفاق اسلو" المُذلَّة التي ارتضاها المفاوضون كبيرهم وصغيرهم مع نقمة سابقة "التنسيق الأمني" العجيبة للتقاسم الوظيفي.

التنسيق الأمني يعتبر كل من حمل البندقية "إرهابياً" وبشكل خاص أولئك "المتطرفون" الذين ارتكبوا هذه "الجريمة الحمقاء" بعد التوقيع "المشرف" على الوثيقة "طيبة الذكر" ؟!

ونلحظ اليوم ما يطالب به الرئيس عباس بإطلاق سراح الأسرى الذين اعتقلوا قبل يوم 13 ايلول/سبتمبر 1993 !!

كما أن أجهزة أمن "المقاطعة" تعلن جهاراً وحدة السلاح، بل وتتبادل المعلومات حول "عبث أولئك المخربين الخارجين عن القانون"، فتعتقلهم وتحاكمهم بتهمة "المقاومة".

الأجهزة المذكورة، وفي مرحلة مُبكرة قامت بشراء أسلحة من ارتضى هذا الهوان بأسعار أعلى من السوق السوداء وهي من موازنة جيش الاحتلال الذي يقدم علاوة "ضمان العفو"؟!

الاعتقالات واستدعاءات التحقيق التي تجري على مدار الساعة وسجون الضفة الفلسطينية المحتلة تعجُّ بالعشرات لكل من "يغامر" باقتناء السلاح، أو تنظيم مظاهرة، أو بالتحريض ضد الجار والصديق الاحتلال الإسرائيلي !!

الضفة الفلسطينية المحتلة تشهد في أيامنا هذه مظاهرات واعتصامات واضرابات جوع لإطلاق سراح أسرى ومعتقلين لدى الطرفين المُتَعاقدين على "اتفاقية أوسلو".

ويَصل هذا التعاون الأمني مديات غير مسبوقة خلال المنعطفات الأمنية الحادة كما يجري الآن والانتفاضة تتطور مفاعيلها الجماهيرية لتشمل آفاقاً عنيفة مسلحة والعدو يتوقع تصاعدا للعمليات العسكرية ومحاولات خطف جنود الاحتلال.

لقد وعد أبطال عملية "وفاء الأحرار" رفاق الكفاح والسلاح أشقاءهم خلف القضبان "الإسرائيلية" و"الفلسطينية" أن حريتهم قريبة، ويؤكدون أن عمليات "الوهم المتبدد" سَتتكررْ على طريق اختطّوه ويعلمون شعابه وأنه اللغة التي يفهم كُنهها العدو.

النائب عن "كتلة التغيير والإصلاح" البرلمانية أحمد عطون، المبعد من القدس إلى رام الله، يدين تقصير "سلطة المقاطعة" عن القيام بواجبها ويعتبر تجاهل معاناة الأسرى، جريمة وطنية، ويُحذّر كل أولئك المتورطين بأن الجماهير لن تنسى ولن تغفر.

الشعب الفلسطيني ومقاومته الجسورة تفقد ثقتها "بسلطة المقاطعة" وبأنها أقلية تعمل ضد مصالح الوطن، وتعلم تماماً أنها لن تُدَوّل القضية العادلة لأسرى الحرية، كيف وهي تمارس نفس الفعل الشائن.

سلطة تعتقل المناضلين وتتكفل بحماية المستوطنات وقطعان المستوطنين لا يمكن أن تكون قيادة مؤتمنة لشعب توَّحَدَ خلف قواه الحية المؤمنة دفاعاً عن ثوابته ومقدساته.

سلطة تواطأت مع العدو ببيع الفتوى التي أصدرتها محكمة العدل الدولية في تموز/يوليو 2004 بشأن الآثار القانونية لجدار الاستيطان والعزل العنصري الصهيوني، والتآمر بتجاوز تقرير غولدستون للجنة الدولية لتقصي الحقائق بعد عدوان "عملية الرصاص المصبوب" والتي وصَفَته بجريمة الحرب، بل والعمل على حصار قطاع غزة ومحاولة وسْمه "بإقليم متمرد"!!

أما "القيادة" التي لم تزل تدرس خياراتها منذ عقدين من التفاوض العابث والتي مَنَحت الاحتلال كل الفرص لتهويد الضفة والقدس، لن تجرؤ على الإقدام على حل "سلطة خلقها الاحتلال" وهي ربح صافٍ لحلفاء "المقاطعة" في (تل أبيب) وواشنطن في الوقت الذي لم تزل تعتبر "الإبنة غير الشرعية" اتفاقية اوسلو قائمة ويُبنى عليها!!

"زَعَمَ الفرزدق أن سيقتل مَرْبَعاً ،، أبْشِر بطولِ سلامة يا مَربْعُ".

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026