قراءة نازفة في بيان غير موزون

قراءة نازفة في بيان غير موزون

أ.د يوسف موسى رزقة
2005-09-29

ليس غريبا أن يعلو الباطل على الحق لفترة تطول أو تقصر لأسباب تحدد عمره بعد إرادة الله سبحانه غير أن الغريب أن يجد الباطل من يشرع له ظلمه ويضفى عليه من معاني الخير والعدل أشكالا زائفة…

ليس غريباً أن يعلو الباطل على الحق لفترة تطول أو تقصر لأسباب تحدد عمره بعد إرادة الله سبحانه، غير أن الغريب أن يجد الباطل منْ يُشرِِّع له ظلمه، ويضفى عليه من معاني الخير والعدل أشكالاً زائفة، والأشد غرابة من ذلك أن يرتضي هذا التزييف رأس الشرعية الدولية، فيتلوا بيان (الرباعية الدولية) في الشأن الفلسطيني متغافلاً عن تاريخ القضية وما في خزائن منظمته من قرارات أممية.

العالم يحترم (كوفي عنان) ممثلاً للعدالة الدولية وناطقاً باسمها، غير أن هذا الاحترام قد يذهب أدراج الرياح حين يتهم (نجله) وغيره من المسئولين بالفساد المالي في إدارة برنامج العراق (النفط مقابل الغداء) دون أن يستقيل الأب (الأمين العام) أخذاً بالمسئولية الأخلاقية أو الاعتبارية؟!  ويوشك هذا الاحترام أن يتبخر _ في فلسطين على الأقل _ حين ينحاز الأمين العام (إلى الباطل أو إلى الغموض على حساب الوضوح، أو إلى التضليل الإعلامي على حساب الحقيقة، أو إلى الجلاد على حساب الضحية)، فلا يفرق بين (المقاومة المشروعة والإرهاب) ويجعل من كلامه طريقاً معبداً لدبابات الاحتلال وسفك الدماء والاستيطان في القدس والضفة. وهذا ما لاحظناه مؤخرا في قصف طائرات الفانتوم للمدنيين وغيرهم في غزة والضفة، إضافة إلى الاعتقالات المكثفة بعد بيان الرباعية

نعم، يمكن أن تنحرف الرؤية الأمريكية والأوروبية فنجد لها من التاريخ والمصالح مبرراً ما، أما أن تنحرف رؤية الأمم المتحدة فتحالف مواثيقها فهذا أمر عجيب؟!

إن قراءة متأنية لبيان الرباعية الدولية يكشف عن (غموض وتضليل، وفساد) وتدخل سافر في الشأن الداخلي الفلسطيني حين تدعوا بصورة غير مباشرة إلى إخراج (حماس) من العملية السياسية الفلسطينية الداخلية في قولها "إن أي منظمة إرهابية لن تتمكن من المشاركة في العملية السياسية طالما تشارك في عمليات إرهابية".

إن الضلال والإفساد في هذا القول يكمن في إطلاق اسم الإرهاب على المقاومة الفلسطينية التي هي جزء مما شرعته الشرعية الدولية للأمم المتحدة، وإن أولى الناس بالتمييز الموضوعي بين (المقاومة _ والإرهاب) هو رأس المنظمة الدولية. إن المقاومة الفلسطينية بحسب تاريخها تفر عادة من الإرهاب، بل هي تقاوم إرهاب الدولة، وفرارها منه يسعى لإنجاح أهدافها في تحرير الأرض وتقرير المصير لذا فهي تأخذ بمبادئ المقاومة التي أخذت بها فرنسا وبريطانيا وروسيا والجزائر ومصر وغيرها من الدول...

إن المنظمات الفلسطينية المقاومة ليست جزءاً من (الإرهاب الدولي) الذي صنعته أميركا وأوروبا، لأنها تقاوم محتلاً وتقاوم على أرض فلسطين، ولأن مقاومتها هي نوع من الدفاع عن النفس والأرض والعرض بعد أن خذل العالم الشعب الفلسطيني على مدى أربعة قرون وزيادة، ولم يوفر لمشكلته حلا سياسيا عادلا!!.

لقد رحب (سليفان شالوم) ممثل دولة الاحتلال والعدوان ببيان الرباعية الدولية، لأن فيه ما يأذن له بإعاقة التطور السياسي في الضفة الغربية وغزة وحرمانه من الديمقراطية والدولة وهذا ما جاء في قوله بلغة دبلوماسية عدوانية أعلن فيه أن حكومته لن تقدم تسهيلات للعملية الانتخابية كتلك التي قدمتها يوم انتخابات الرئاسة الفلسطينية التي أسفرت عن فوز الرئيس محمود عباس، ثم استطرد قائلاً إن على الرئيس عباس جمع سلاح حماس، وتفكيك بنية المقاومة. ثم تحسد هذا الكلام الدبلوماسي من خلال (موفاز) وزير الحرب بالقصف بالطائرات والقتل الذريع.

إن بعض ما جاء في بيان الرباعية فيه تضليل للرأي العام وتعمية على الحقيقة، وهولا يقل سوءاً عن قول الرئيس بوش حين طالب الأنظمة العربية والسلطة الفلسطينية أن تُخرج القوى الفلسطينية التي (لا تعترف) بإسرائيل من العملية السياسية، وحين طالب منها إعانة شارون وعدم الضغط عليه ليتسنى له التغلب على الضغوط الداخلية؟!!

إننا نود أن نسأل الرئيس بوش والرباعية وكل من يتبنى خطاباً انتقائيا مضللاً في التعامل مع فلسطين، كيف تفاوضون الصين وهي لا تعرف بتايون؟! وكيف فاوضتم الفيتناميين قبل أن ينزعوا أسلحتهم؟!! وكيف فاوضتم الجيش الجمهوري الإيرلندي وما زالت أسلحته معه؟!! وكيف تدعمون حركة قرنق وتمردها وتدخلونها الحكومة شريكاً وأسلحتها الثقيلة والخفيفة بين يدي جنودها؟!! وكيف تتفاوض الدول معاً وأسلحتها مشرعة؟!! وكيف..وكيف.. ونماذج ذلك لا تنحصر؟! أم إن الاحتلال الصهيوني نموذج فريد فوق النماذج البشرية؟ حتى حين يحتلون ويعتدون ويقتلون؟!!.

إن قول الأمين العام في مؤتمره الصحفي "نحن لا نغفل ما يجري في الضفة الغربية" في إشارة إلى مواصلة إسرائيل الاستيطان فيها بكثافة غير معهودة، وفي إشارة إلى جدار الفصل، (دون الإشارة إلى القدس؟!) هو قول فاتر باهت فيه قفز على ثمانية وثلاثين عاماً من الاحتلال من ناحية، وفيه تغييب للقرارات الدولية التي تطالب الاحتلال بالانسحاب؟! ماذا نعمل _ نحن الفلسطينيين _ بغفلة أو يقظة الأمين العام والرباعية، فالغفلة وعدمها ليستا من المصطلحات السياسية والقانونية الدولية محددة الدلالة، وإن الاستيطان والجدار هما من توابع الاحتلال وسوءاته، ومن ثم فإن على الرباعية واجب المطالبة الصريحة بزوال الاحتلال.

إن حديث الرباعية الخجول عما يجري في الضفة تحت مقوله ( عدم الغفلة؟!) فيه غض بصر عن أصول المشكلة، وهو في الوقت نفسه يدعونا _ نحن الفلسطينيين _ إلى التمسك بخيار المقاومة ما دامت الرباعية الدولية فاشلة، ولا تملك حلاً عادلاً لمشاكلنا التي تتمحور حول عنوان واحد هو (زوال الاحتلال).

إن من يشعر بثقل الهزيمة ويدفع ضريبتها يومياً من دمه وأرضه وكرامته من خلال الاستيطان والجدار والحواجز والاعتقال والقتل لا تنفعه كلمات الرباعية الخجولة وغير الموزونة حول (الغفلة وعدمها؟!) إننا نريد يقظة ضمير يقول للاحتلال كفى؟! كفاك دماً وقهراً؟! إن شعور الفلسطيني بالهزيمة يتفوق ألماً ومعاناة على القتل، لأن في القتل شهادة ينتصر بها المقاوم على نفسه وعلى عدوه وعلى معايير الدولية الفاسدة المزدوجة

لقد قدمت (رايس) ولأول مرة رغم انحياز أمريكا التام لإسرائيل وصفاً مقبولاً بغض النظر عن أهدافها _ للحالة الفلسطينية حين قالت "نحن نفهم أن النظام السياسي الفلسطيني هو في مرحلة انتقالية، أي أنه في مرحلة انتقالية إلى النظام الديمقراطي، وإن هذه العملية يجب أن تكون فلسطينية؟ (لاحظ يجب أن تكون فلسطينيةـ تقصد الانتخابات) وقالت أنا أدرك وجود تعقيدات مع حماس، وهناك تساؤلات حول قدرة السلطة الفلسطينية على الإصرار على نزع سلاح الجماعات المسلحة؟!". وهذا وصف معقول للواقع الفلسطيني في 2005م بعيد الخروج من غزة، وما يعزز قولها ما جاء على لسان مسئول أمريكي "إن واشنطن تسعى لصياغة قواعد للتعامل مع الحركات المسلحة القوية سياسياً مثل حماس وحزب الله؟!! " وقال المسئول "لا يوجد حل سهل لهذه المسألة؟!"

إن (رايس) تقر في قولها آنف الذكر أن حماس تشكل تياراً شعبياً كبيراً، وهي تمثل مع فصائل المقاومة الأخرى عنواناً لإرادة شعبية تدعو إلى وطن حر ودولة مستقلة، وحياة خالية من الاحتلال وخالية من مشاعر الهزيمة. إن "رايس" تدرك اليوم بعد انتفاضة شعبية قوية أن المقاومة في فلسطين المحتلة ليست قطعة سلاح أو دماء وإنما هي إرادة شعب، وأمل لأمة تعاني جعلتها المعاناة ترى حقها في قوتها، وأملها فيما تنجزه على الأرض بسواعد أبنائها لا فيما هو مسطر في وثائق الرباعية الدولية، أو الأمم المتحدة التي فقدت القدرة على الكلام المباشر الداعي إلى زوال الاحتلال مما يدلل على غياب النية والإرادة التي أخرجت العراق من الكويت في أقل من عام.

 

إن الرباعية الدولية، وأمريكا بالذات مسئولة عن طول مدة الاحتلال، وهي الجهات القادرة _ حين تمتلك النية والإرادة _ على إنهائه، لذا فهي مسئولة بشكل أو آخر عن الاحتلال وما يستوجب من مقاومة ودماء.

لقد رحبت السلطة الفلسطينية بالجزء المتعلق بالدولة المتصلة في الضفة وغزة، وقال محمود عباس أن سلاح المقاومة شأن داخلي، وفي المقابل فإن حماس تدعو إلى المزاوجة بين الخيارات الممكنة وهي تتحدث في الوقت نفسه عن حجم التأثيرات التي تتمتع بها الرباعية في الساحتين الفلسطينية والعربية غير أنها تذكر بأن الحق الفلسطيني أكثر تأثيراً في النفس الفلسطينية، وإنه ليس لدى الفلسطينيين شيئاً يتنازلون عنه أو يخافون عليه، ومن ثم فالأجدر بالرباعية هو الحوار المباشر مع السلطة والفصائل وبالذات قيادة حماس من أجل الوصول إلى أيسر السبل لإخراج شارون والاحتلال من القدس والضفة، ثم النظر في الحقوق الفلسطينية الأخرى، وإلى أن يحدث هذا فإننا نبارك الأقوال الموزونة لا المنحازة التي جلبت وتجلب مزيدا من الدم والقتل وتعطي الجلاد فرصة لتفسير غير شرعي لقرارات الرباعية يغطي بها أعماله العدوانية بالكلام الغامض والمضلل في البيان.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026