تلا قادة المقاومة الفلسطينية بيان النصر في القاهرة وبدأت حملة الحساب في الدولة العبرية وبدأت المطالبات بلجنة تحقيق في أسباب الهزيمة ورضخت دولة الاحتلال لشروط المقاومة الفلسطينية…
تلا قادة المقاومة الفلسطينية بيان النصر في القاهرة، وبدأت حملة الحساب في الدّولة العبرية، وبدأت المطالبات بلجنة تحقيق في أسباب الهزيمة، ورضخت دولة الاحتلال لشروط المقاومة الفلسطينية، ولم يكن لتلك اللحظة أن تتمّ لولا العديد من القضايا وأولها توفيق الله تعالى.
لم يكن للنّصر أن يتمّ لولا صمود الشّعب الفلسطيني والتفافه حول المقاومة ورجالها في قطاع غزة، فأي مقاومة بلا حاضنة شعبية ما كان لها أن تنتصر، فالشعب لها كالماء للسمك، ولهذا لمسنا الحقد الكبير والقتل الغير محدود بحق تلك الحاضنة من تقتيل وتدمير، وصل لقتل عائلات بأكملها، ولكن هذا لم يردع الشّعب الفلسطيني عن الاستمرار في دعم المقاومة الفلسطينيّة.
كان لثورة الشعب الفلسطيني في الضّفّة الغربية الأثر الكبير على قرار الهزيمة الصّهيونية وبيان النّصر الفلسطيني، فقد ثار الضّفّاويون على كل محاور الاحتكاك مع الاحتلال، وتوحّد الشّعب الفلسطيني في ظاهرة لم تبد للنّاس منذ سنوات، وحاربوا الاحتلال بالحجارة والزجاجات الحارقة والسكاكين وإطلاق النار وصولاً لما جرى من تفجير في تل أبيب، ثورة أهل الضّفّة دفعت دولة الاحتلال والأمريكان للذّهول، وكانت من مفاجآت الحرب، وحتى لا تفلت الأمور في الضّفّة ضغط الأمريكان على نتنياهو لكي يبتلع الهزيمة وينزل عن الشّجرة الّتي تسلّق عليها.
ثبت لدولة الاحتلال أنّ جبهتهم الدّاخليّة منهارة أمام المقاومة الفلسطينيّة، وفي الوقت الذي كان شعبهم يهرب من المدن المستهدفة كان الفلسطينيون يعودون لقطاع غزة من الخارج، وهي ظاهرة غريبة حصلت في حرب الفرقان أيضاً، وهي تثبت تمسّك الفلسطيني بأرضه، بينما المستجلبون يفرّون هاربين من أوّل طلقة.
وصلت الدولة العبرية لحالة من العجز المزمن في المواجهة العسكرية مع المقاومة، فسلاح الجو مستهدف وشبه محيّد لمسافات معيّنة، وكذلك البوارج الحربيّة محيّدة خارج نطاق صواريخ المقاومة، وعلى حدود غزة لا تستطيع الدّبّابات والآليّات الاقتراب من الحدود لمسافة ثلاثة كيلو مترات، فقد كانوا يمنعون المزارعين الفلسطينيين من الاقتراب لمسافة ثلاثمئة متر من السياج، فأصبح الاحتلال ممنوعاً من الاقتراب لمسافة ثلاثة كيلو مترات من نفس السّياج. ولذلك كانت عاجزة عن فعل أي شيء، ولا تستطيع التّقدّم نحو غزّة برّاً، ولا تستطيع وقف الصواريخ، ولا كسر إرادة الشعب ولا المقاومة، وكانت أمام خيار وحيد وهو الاستسلام لمطالب المقاومة.
المقاومة الفلسطينية استغلّت كل دقيقة منذ العام 2009 وحتّى اليوم لتعزيز قوّتها، وفاجأت الفلسطينين والعرب والدولة العبرية والعالم بقدراتها في التصنيع والاستخبارات والحرب الاعلامية وما حقّقته من تحوّط أمني وتحصين عسكري أذهل القريب والبعيد، كل هذا كان له أثر كبير في صناعة النّصر، فالتحول النوعي في العمل لم يكن ليقارن بما تمّ في الحرب السابقة.
الدعم الّذي تلقّته المقاومة الفلسطينية من دول الربيع العربي وغيرها من الدّول العربية والاسلاميّة كان له أثر كبير في صمودها وحجب الضّغوط عنها، وشكّلت مصر الثورة حاضنة للمقاومة الفلسطينية بعد أن كانت وكراً للتآمر عليها، وأن يهدّد قادة المقاومة الدّولة العبرية من القاهرة، وأن يشيدوا بدور المخابرات المصرية المساند لهم، وأن يعلنوا بيان النّصر من القاهرة مع تهديد ( وإن عدتم عدنا) فهذه تحوّلات إستراتيجية لها ما بعدها.
كان للدّعم التّقني وبالسلاح للمقاومة الفلسطينيّة الأثر المهم في حسم المعركة، وفي هذا الصّدد يجب شكر كل من دعم بالمال وبنقل التّقنيّة وبإيصال السّلاح أو بإغماض العين عن مروره، ولا بد من شكر إيران والسّودان وسوريا وحزب الله وليبيا ومصر وكل من ساهم بدعم المقاومة وإيصال السلاح لها، وبالرغم من موقفي الواضح من إجرام النّظام السوري بحق شعبه وموقف إيران المرفوض من تلك الجرائم، إلا أنّه من الواجب أن يشكر هؤلاء النّاس على ما قدّموا ويجب أن لا ننكر مساعدتهم للمقاومة الفلسطينية، حتّى لو كانوا قطعوها بعد رفض حركة "حماس" تأييد النظام السوري في إجرامه بحق شعبه، كما أنّ المقاومة الفلسطينيّة تمتّعت بالمصداقيّة بهذا الصّدد وكانت عندما تطلق صاروخ فجر5 الإيراني، تقول: أنّها أطلقت صاروخ فجر5، وعندما تطلق صاروخ من صنع يديها ( ام 75) تقول: هو من صنع أيدي خبرائها، وهذا دليل نضج ومصداقية وفرز بين موقف سياسي مبدئي للمقاومة من الأزمة السّوريّة، وبين الإقرار بحق هؤلاء الناس على المقاومة بعدم إنكار مساهمتهم في تسليحها.
قاد الإعلام الفلسطيني معركة إعلاميّة رائعة وشرسة، وتوحّدت وتجنّدت كافّة وسائل الإعلام الفضائية والمرئيّة والمسموعة والإلكترونيّة والمقروءة، وأصبح كل مواطن فلسطيني من رفح حتّى النّاقورة، ومن البحر للنهر، ومن أم الرشراش حتّى الشّمال الفلسطيني، كلّهم أصبحوا مراسلين وصحفيين ومحرّرين، وأحالوا حرب الاحتلال النّفسية والإعلاميّة لنوع من المسخرة وأفرغوها من مضمونها، وللمرء أن يشاهد كم الاستهزاء والاستخفاف بالنّاطق بلسان جيش الاحتلال ليدرك حجم هذا الدّور، ولعل الاحتلال أدرك خطر هذا الدّور فقام باستهداف وقتل الاعلاميين واختراق البث الاعلامي والتلفزيوني والتشويش على المواقع الالكترونيّة، وهو بهذا قام بتكسير المرآة التي تصوّر جرائمه وهزيمته، معتقداً أنّ كسر تلك المرآة سيمنع العالم من رؤية تلك الجرائم وتلك الهزيمة، وفي النّهاية لم يمنعهم من نقل بيان النّصر.
لبيان النّصر هذا وقود يتمثّل بدماء وأشلاء ودموع وآلام لمئات العائلات التي فقدت أحبّاءها، هؤلاء الأبطال حق لهم ولأهاليهم ولأبنائهم أن يحتفلوا وأن يكرّموا أفضل تكريم من المقاومة الفلسطينية ومن يدعمونها، فهؤلاء بفضلهم تمّ النّصر.
أمّا جنود النّصر المجهولين، فهم جنود وقادة المقاومة الفلسطينية بكافّة فصائلها، فقد قادوا معركة رائعة في الأداء الميداني والإعلامي بطريقة مذهلة بكل ما تعني الكلمة من معنى، و يستحق هؤلاء، وكما قال أحد قادة المقاومة :- " تقبيل رؤوسهم وأيديهم وتراب الأرض الّذي غبّر أحذيتهم"، ولا يمكن نسيان الجبهة الداخليّة للمقاومة والتي أدارتها الحكومة في القطاع بحرفيّة، وكان واضحاً استفادتهم من المعركة السّابقة.
بيان النصر هذا وصل بنفحاته لكل أرجاء فلسطين، فقد زرعت تلك الصّواريخ الأمل بقرب عودة أحبّاء الأرض لأرضهم، وبينما يتلاوم قادة الدّولة العبرية اليوم على ما اقترفته أيديهم، يحتفل الفلسطينيّون وفلسطين بالنّصر الّذي سيتبعه انتصارات بإذن الله، ففي هذه المعركة غطّت صواريخ المقاومة الفلسطينيّة ما يقارب نصف فلسطين، فهل في المعركة القادمة ستكون فلسطين كلّها في مرمى صواريخ المقاومة، ومن أي مدينة محرّرة سيتلوا الفلسطينيّون بيان نصرهم؟.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع