يطالب الإسرائيليون الرسميون بمنع مشاركة حركة حماس في الانتخابات إلا إذا سلمت سلاحها وألغت ميثاقها واعتبرت الإدارة الأمريكية هذه التصريحات تدخلا لا يساعد في إنجاح الجهود السياسية…
يطالب الإسرائيليون الرسميون بمنع مشاركة حركة حماس في الانتخابات إلا إذا سلمت سلاحها وألغت ميثاقها... واعتبرت الإدارة الأمريكية هذه التصريحات تدخلاً لا يساعد في إنجاح الجهود السياسية لأنه قد يساهم في زيادة شعبية حركة حماس، مع أن الإدارة الأمريكية كانت قد أعلنت أنها لن تتعامل مع النواب الفلسطينيين (مستقبلاً) من أعضاء حركة حماس. والقيادة الفلسطينية بالطبع رفضت هذا التدخل الإسرائيلي في الشأن الفلسطيني. إضافة إلى ما تقدم فقد طالبت اللجنة الرباعية الدولية بنزع أسلحة حماس فوراً.
لا يخفى على أحد أن هنالك ميلاً واضحاً، لدى الرئيس أبو مازن والحكومة الفلسطينية، لتأجيل التعامل مع أسلحة المقاومة إلى ما بعد الانتخابات التشريعية، حيث يكتفي الرئيس،الآن، من الفصائل الالتزام بالتهدئة، والامتناع عن إشهار الأسلحة في الأماكن العامة. والتصريحات الواردة في بداية المقال تعني مطالبة السلطة بنزع سلاح المقاومة قبل الانتخابات التشريعية. لماذا؟
ترى إسرائيل أن التوازن القائم في الساحة الفلسطينية سيؤثر بشكل كبير على نتائج الانتخابات، وفي هذا المجال صدرت تصريحات عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون تفيد بأنه لو جرت الانتخابات في هذه اللحظة فإن حماس ستحصل على 40% من الأصوات الأمر الذي سيعيد الأمور إلى ما كانت عليه سابقاً في المنطقة قبل أكثر من عشر سنوات. كما أن إجراء الانتخابات في ظل توازن القوى الحالي سيؤدي إلى رفع سقف البرامج الانتخابية، حيث سيدعي كل فصيل أنه الأكثر تمسكاً بالحقوق والثوابت.
ويسعى شارون من وراء هذا المطلب إلى إحراج السلطة داخلياً وخارجياً، وإظهار عجزها وعدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها حسب خارطة الطريق، وفي هذا السياق يمكن لشارون أن يدفع باتجاه ضغط دولي على مصر لكي تتولى إدارة قطاع غزة، وهذا ما صرحت به مصادر داخل مكتب شارون عندما هددت السلطة بأن عدم قيامها بواجباتها سيجعل إسرائيل تفكر بإعادة الأوضاع في الضفة والقطاع إلى ما قبل عام 1967.
وهذا يساعد شارون على تطبيق مخططه الأصلي الذي دفعه لتنفيذ فك الارتباط عن قطاع غزة، لكي يفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ويجعل لكل منهما مصيراً سياسياً مختلفاً عن الآخر، ويبدو أن العملية السياسية بآلياتها والأطراف التي ترعاها لا تمتلك أدوات للوقوف في وجه شارون ومخططه!
وفي مقابل هذا الرفض الإسرائيلي لمشاركة حماس في الانتخابات، وما ينطوي عليه من مضامين جوهرها إبقاء حالة الضعف والترهل الذي يعانيه النظام السياسي الفلسطيني، فإن حركة حماس –وكما هو واضح من بياناتها وتصريحات قادتها- تصر على خوض معركة الانتخابات في موعدها، مدركة أن الانتخابات ليست عصا سحرية لإصلاح كل ما أفسده الدهر.. وإنما هي خطوة على طريق طويل يستهدف الإصلاح والتغيير والتحرير. ويمكن فهم رؤية حماس للانتخابات من خلال استعراض مجموعة النقاط التالية
أولاً/ الانتخابات قد تكون مدخلاً للإصلاح والتغيير، وقد تكون عاملاً من عوامل إعادة انتاج وتبرير التسلط والتفرد، ويتوقف الأمر على السياق والقانون الذي تحدث في إطاره الانتخابات. ويبدو أن حركة حماس تعتقد أن هذه لحظة مناسبة لإجراء انتخابات تعكس إرادة الجماهير بسبب توازن القوى الداخلي في الساحة الفلسطينية، الأمر الذي يمنح الجميع فرصاً متكافئة في التأثير على الرأي العام.
ثانياً/ أثبتت نتائج الانتخابات البلدية في المرحلة الأولى والثانية أن نظام الدوائر هو أفضل نظام يمكن أن يخدم حركة حماس، ورغم ذلك وافقت حركة حماس على نظام التمثيل النسبي، الأمر الذي يشير إلى اهتمام حماس بمشاركة جميع القوى السياسية في النظام السياسي الفلسطيني،وأنها لا ترغب في الاستئثار بالسلطة، أو إقصاء الآخرين.
ثالثاً/ يبدو واضحاً أن حركة حماس مهتمة بالانتخابات وتنوي خوضها بثقل كبير، لكن ما الذي تريده حماس من الانتخابات؟ هل تريد السيطرة على السلطة؟ ومن ثم مواصلة مشروع المقاومة؟ وتطبيق النموذج الإسلامي في مناطق السلطة؟! ربما تُفكر حماس في هذا الاتجاه. لكن نظرة أكثر عمقاً لبرنامج المقاومة الذي تتبناه حماس، وطبيعة موقفها من إسرائيل، يجعل المرء يصل إلى استنتاج مفاده أن حماس لا تفكر في السيطرة على السلطة بالكامل، لأنها لا تريد التفاوض أو التعامل مع إسرائيل. لكن حماس تريد أن تحصل على أكبر قدر من الشعبية حتى تتمكن من توظيف حضورها السياسي في دعم المقاومة والتأكيد على استمراريتها، وكذلك حتى تؤكد على أن أغلبية الشعب الفلسطيني يريد التغيير، ويتطلع إلى إنهاء الفساد.
رابعاً/ يتضح من نتائج الانتخابات البلدية في المراحل الأولى والثانية أن حماس حظيت بأصوات شرائح اجتماعية لم تكن محسوبة على الحركة من قبل، وهذا دليل على أن شرائح متزايدة من المجتمع الفلسطيني بدأت تدرك أن مدخل الإصلاح الحقيقي هو المدخل السياسي، وليس الإداري أو المالي أو القضائي. الإصلاح السياسي يعني إنهاء التفرد في الحكم، ودفع قوى جديدة إلى مؤسسات النظام لتجديد الدماء في شرايينه. والانتخابات هي أفضل وسيلة لتحقيق هذا الغرض. ومن هذه الزاوية فإن حماس هي الأمل الذي تتطلع له الجماهير بوصفها المنافس الوحيد لحركة فتح على الساحة الفلسطينية.
خامساً/ تدرك جماهير الشعب الفلسطيني –بذكائها الفطري- أنها حينما تصوت لحماس بقوة في الانتخابات، فإنها تضمن وضع أقدامها(أي الجماهير) على بداية الطريق لإنهاء التفرد والفساد، وتقوية النظام السياسي الفلسطيني، وذلك لأن حماس عندما تحظى بأغلبية في البرلمان، فلن تكون وحدها في الساحة، فحركة فتح تسيطر على الأجهزة الأمنية، والمناصب العليا والصغرى في الوزارات والمؤسسات والقضاء، وتسيطر على اقتصاد البلد. وهكذا يتحقق التوازن الذي يمنع أي طرف من البغي على الأطراف الأخرى، بسبب توفر رقابة من كل طرف على الأطراف الأخرى، وهكذا يلتزم الجميع بالقانون، وفي هذا مصلحة للمجتمع.
سادساً/ يعتقد بعض مؤيدي حركة حماس أن فوزهم في الانتخابات سيجعلهم قادرين على إجراء إصلاحات واسعة، لكن يجب التنبيه هنا إلى أن فوز حماس قد يتعرض لأزمات ومشاكل يجب استيعابها، وهنا أضرب مثالاً بتجربة الحركة الإسلامية في تركيا التي فازت في التسعينات بنسبة مكنتها من تولي منصب رئاسة الوزراء في إطار ائتلاف حكومي. فكيف كانت ردة فعل العسكر؟! أسقطوا الحكومة، ومنعوا رئيس الوزراء من ممارسة العمل السياسي، وحلوا الحزب الذي يمثل الحركة الإسلامية، حدث كل هذا بقرارات من القضاء "النزيه" في تركيا!! ماذا فعلت الحركة الإسلامية هناك؟ قبلت بالأمر الواقع، لكنها لم تستسلم له، لأنها تدرك أن رياح التغيير إن هبت لن تتوقف حتى يسقط المطر. وبعد عشر سنوات تقريباً تمكنت الحركة الإسلامية في تركيا من الوصول إلى الحكم وقد ازدادت خبرة ونضجاً ومعرفة بالسياسة...
سابعاً/ خلال محاولاتها لإظهار شعبيتها، تقوم حركة حماس، سواء بشكل مركزي أو لا مركزي بنشاطات تعكس حجم تواجدها في الشارع، وتستفيد حماس من هذه النشاطات في تعبئة جماهيرها واكتساب المزيد من الهيبة والجماهيرية في الأوساط الشعبية. لكن بعض هذه الأنشطة الحمساوية تثير القلق أحياناً لدى السلطة وبعض الفصائل، سواء كان هذا القلق طبيعياً أو مفتعلاً، فإن من حق الجميع أن يسأل وأن يستفسر وأن يتلقى الإجابة المناسبة على أسئلته. وكانت حماس قد بادرت في مطلع الصيف بعقد لقاءات مع الكتاب والصحفيين وشرائح مختلفة في المجتمع بهدف شرح سياساتها ومواقفها، والاستماع إلى آراء الناس وانتقاداتهم، وقد لقيت هذه الخطوة استحساناً من شرائح مختلفة وطالبت بالمزيد من هذه الفعاليات..