جدول عادي تمر علينا ذكرى وعد بلفور هذه الأيام وسط عاصفة محلية وإقليمية وأخرى دولية عواصف طبيعية و ثورية وأخرى فكرية وغيرها شعبية سلمية أو عنفية إنسداد سياسي عام في الأفق السياسي…
تمرّ علينا ذكرى وعد بلفور هذه الأيام وسط عاصفة محلّيّة وإقليميّة وأخرى دوليّة، عواصف طبيعيّة و ثوريّة وأخرى فكريّة وغيرها شعبية سلمية أو عنفيّة، إنسداد سياسي عام في الأفق السياسي الفلسطيني، واحتقان إقليمي، وإن سألنا الكثير من المحللين عن توقّعاتهم لما يمكن أن يحدث غداً فلن يجيبنا أحدٌ بجزم ِ حول المستقبل، إلا تخمينات وتوقّعات، والأكثر اطمئناناً من النّاس سيقول أنّ تغيّراتِ جوهريّةِ تجري - وستجري - في المنطقة ستغيّر وجه العالم والمنطقة للأفضل، وفقط عُبَّادُ الحكّامِ والطّوائفِ هم من يعملون ويطمحون ويتمنّون عودة عقارب السّاعة إلى الوراء، الوراء القريب طبعاً لما فيه من ظلمةٍ ومساوئ، فماضينا البعيد رائعٌ وجميل في عمومه.
منح بلفور وعده للصّهاينة من اليهود بأن يمنحهم أرض فلسطين وهو لا يملكها لمن لا يستحقّها، وكانت أكبر عمليّة تزوير تاريخيّة لبيع أرض شعب لشعب آخر مجّاناً، لم يكن بلفور الأول ولم يكن الأخير ممّن ساهموا في تسهيل التّزوير والسّطو المسلّح على أرض فلسطين، مجموعة كبيرة من الدّول والزّعماء والمؤسّسات والحركات ساهموا في هذه الجريمة، بينهم عرب كانوا أكثر صهيونيّة من الصّهاينة اليهود، وقد كشفت الوثائق التاريخية عن فضائحَ مخجلةٍ تتضمّن تصريحات واتّفاقات هؤلاء الزّعماء العرب مع مغتصبي فلسطين، حتّى قبل أن تقوم دولة الاحتلال بسنوات.
قامت الدول والمؤسسات التي سهّلت التّزوير والسّطو المسلح على فلسطين بتزيين التّنازل عن أجزاء من فلسطين من أجل إنهاء الصّراع وأخذ بعض فلسطين مقابل ذلك، قًبِل بعض الفلسطينيين هذه المعادلة المجحفة أملاً بأن يأخذوا ما تمّ وعدهم به من دولة على خُمس فلسطين، ولكن صِدِق فيهم ما قاله الشّاعر العراقي أحمد مطر:- ( للثّوّار فلسٌ... ولليهود طين) فاليهود أخذوا الأرض والماء والسّماء، والثّوّار أخذوا فقط رواتب أصبحت لا تأتي، وقد يكون قريب اليوم الّذي لن تأتي فيه أبداً، فيخسر الفلسطينيون ال ( فلس +طين).
غالبية الفلسطينيين رأت أنّ ما جرى هو نوع من الفهلوة واللعب على الكلمات والتحرير على مراحل ( خذ وطالب) أو ( خذ وحارب) وثبت لهم جميعاً أنّ سبيل أوسلو بكل تفاصيله لم يكن إلا وهماً وشراءً للسراب فقط، اشترى بعض الفلسطينيون الوهم والسراب والوعود الفارغة، فيما نشط بعضهم بإعادة إنتاج الوهم بمساعدة خارجية، ولكن في ذكرى الوعد الإجرامي وصلت هذه المسيرة إلى نهايتها، ولا مجال لإعادة إنتاج فشلها وتسويق أوهامها من جديد، وعادت للواجهة من جديد حقائق الصراع بين الشّعب الفلسطيني ومن يغتصبون أرضه.
هذه الحقائق تتجسّد فيما يلي:-
* أرض فلسطين لكل الفلسطينيين، ولن تكون لسواهم أبداً، ومن يعتقد أنّ وعد بلفور أو ووعود غيره للمغتصبين لفلسطين ستمنحهم شرعية هذا السّطو المسلح فهو واهم، وتزوير الواقع والسّلب المسلح لن يجعل هذه الجريمة شرعيّة أبداً.
* لا يملك أي شخص أو دولة أو مجموعة أو منظّمة أو حركة في العالم أن تمنح الاحتلال شرعية اغتصابه لفلسطين حتى لو كان هؤلاء من صُلب فلسطين، وحتى لو كان هؤلاء فعلوا الكثير من أجل فلسطين، فكل التنظيمات الفلسطينية لا تملك التّنازل عن ذرة من أرض فلسطين، حتّى لو أجمعت على ذلك، فكل فلسطيني يمتلك كل فلسطين، وكل عربي يمتلك كل فلسطين، وكل مسلم ومسيحي عربي يمتلك فلسطين.
* لم يخوّل أي فلسطيني أي شخص أو مؤسسة أو منظّمّة أن تتنازل عن بيته وأرضه وبلدته التي اغتصبتها العصابات الصّهيونيّة، وبالتالي لا يملك أحد هذا الحق، وهو - أو هم- لا يملكون هذا الحق ولا هذا التّمثيل.
* نحن كفلسطينيين ننظر للصّراع من بابه البسيط، كل من يقرّبنا من العودة لأرضنا السّليبة، ولا يتنازل عن حقوقنا الثّابتة، فهو فوق رؤوسنا وأعناقنا مهما كانت أفكاره وتوجّهاته السّياسيّة، ومن يتنازل عن حقوقنا فهو يصبح أكثر بعداً عن تمثيلنا كلّما أوغل في التّنازل عن هذه الحقوق، فهو يتنازل عن ما لا يملكه، وبالتالي فهو لا يمثّل من يعتقد أنّه يفرّط في حقوقهم، وبالتالي فالمبادرة العربية والاتفاقات التي توصف باتفاقيات السلام لا تساوي الحبر والورقة التي كتبت عليها، وتجاوزها الزّمن والواقع.
* لم يفق بعض العرب من وهم أنّهم كلّما تنازلوا عن حقوقهم كلّما زادت شهيّة عدوّهم لتنازلات أخرى، وبالتالي فسياسة التّنازل عن بعض الحقوق يمكن أن تؤدّي للتنازل عن كل الحقوق، حسب الفهم الصّهيوني.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع