الهرب من

الهرب من "أرض الميعاد"!

ممدوح الشيخ
2012-10-01

ما تزال إسرائيل بعد هذه العقود من الصراع الدامي نبتا بلا جذور لا على سبيل التفكير بالتمني بل تلك حقيقة من حقائق حركة الهجرة منها وإليها فالكيان السياسي الذي تأسس يكون مكانا آمنا…

ما تزال (إسرائيل) بعد هذه العقود من الصراع الدامي نبتاً بلا جذور، لا على سبيل التفكير بالتمني، بل تلك حقيقة من حقائق حركة الهجرة منها وإليها، فالكيان السياسي الذي تأسس يكون "مكاناً آمناً" ليهود العالم لحمايتهم من "الاضطهاد" على يد كل الأمم، لم يعد لا مكاناً آمناً ولا حلماً، ولا وطناً حتى لمن هاجروا إليه، فالوطن مكان يعيش الإنسان فيه، وليس محطة ترانزيت يمر بها أحياناً أو يمارس تعاطفه معها عبر "شيكات" هي أقرب إلى نفقة المطلقة، وقد أصبحت هذه الظاهرة، بالفعل، تسمى في بعض الأدبيات الغربية الناقدة للصهيونية: "يهودية النفقة".

ورغم الدعايات الصهيونية المكثفة والمكلفة عن البلد الذي يشعر يهود العالم "كل يهود العالم" بحنين جارف إليه، تكشف الحقائق أن الاتجاه الأكبر للهجرة هو من (إسرائيل) إلى الخارج، هو ما يمكن أن نسميه: "الياسبورا المعكوسة". في مقال عنوانه: "الاتجاه هو الدياسبورا والمنفي" نشرته جيروساليم ريبورت في فبراير 2002، رصد لظاهرة أن دعوة "العام القادم في أورشليم" بالنسبة للكثير من يهود العالم قد أصبحت صورة مجازية قديمة لا تصلح للعصر الحديث.

والقصة في فصلها الأخير كما نشرت صحف عربية عديدة أن القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي كشفت في تقرير لها عن أن 2500 إسرائيلي، يهاجرون سنوياً إلى كندا وبعضهم قال للقناة المذكورة إن العيش في كندا أفضل بكثير من الدولة العبرية. وحصيلة الهجرة من (إسرائيل) حوالي مليون هاجروا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا وأستراليا وألمانيا وهم يعيشون هناك فى رخاء ورفاهية.

وقد أصبحت الظاهرة مصطلحاً مراوغاً جديداً أضيف إلى قاموس المصطلحات الصهيونية التي تلون الوقائع أكثر مما تصفها، وهو مصطلح "الهجرة السلبية"، وهو ويشغل حيزاً مهماً في الفضاء الإعلامي الإسرائيلي. صحيفة معاريف العبرية ذكرت في خبرين منفصلين، أن يهود الشتات لا يهاجرون إلى (إسرائيل)، وأن الشعب اليهودي يفقد أكثر فأكثر أعدادا كبيرة منهم. وحسب معطيات مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي فإن (إسرائيل) وصلها عام 2010, 18 ألف مهاجر، وهو الأدنى منذ نهاية الثمانينات.

وحسب إحصاءات رسمية أيضاً فإن 70 في المائة من يهود الولايات المتحدة الأمريكية لم يزوروا أبدا (إسرائيل) ولا يعتزمون زيارتها، وأن 50 في المائة منهم متزوجون زواجاً مختلطاً، وأن 50 في المائة من الشباب اليهودي هناك لا يهمهم إذا اختفت (إسرائيل) من الوجود.

دراسة أخرى كشفت أن 87 في المائة من الشباب اليهودي في الاتحاد السوفيتي السابق مهتمون بالهجرة، لكن 36 في المائة منهم فقط يرون في (إسرائيل) "أرض الميعاد المفضلة". ويمكن وضع الأرقام جميعاً تحت عنوان عريض هو: "تآكل متزايد ل(إسرائيل) كقوة جذب".

الذي استوقفني كثيراً جداً في التقرير المشار إليه أنه أكد صحة ما كتبه المفكر العربي الإسلامي الراحل الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيري، الذي أكد أن الخزان البشري اليهودي في جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة سينفد سريعاً، وتؤكد الأرقام المتداولة الآن أيضاً أنه كان محقاً في حديثه عن افتقار المهاجرين إلى "النقاء" حيث ثبت أن أكثر من مئة ألف مهاجر من روسيا إلى (إسرائيل) كانوا من المسيحيين.

ومن المتغيرات المهمة أنه قد ظهر مؤخراً في الغرب "يهود من طراز جديد"، وهم إسرائيليون هاجروا من "أرض الميعاد". ووفقاً لتقدير مجلس الاستيعاب يعيش في العالم اليوم 700 ألف "إسرائيلي سابق" مع أسرهم.

والقضية هنا ليست تقييم المشروعية وفقاً لإقبال اليهود على الهجرة إلى (إسرائيل) أو عزوفهم عن ذلك، لكن القضية أن جانباً رئيساً من دوافع ميلاد هذا المشروع تمثلت في نجاح الدعاية الصهيونية له كـــ "حلم"، ودور القوى الغربية الكبرى في خلق آليات طرد وجذب جبارة جعلت أعضاء الجماعات اليهودية في العالم يفضلون أن تكون (إسرائيل) وجهتهم.

واليوم لم يعد هناك حلم ولا أشواق دينية ولا مشاعر قومية – حتى لو كانت مصطنعة – وعليه فقد أصبح هذا المشروع "فخاً"، لمن لا يملكون فرصة الهجرة إلى أرض ميعادهم الحقيقية (الولايات المتحدة الأمريكية – كندا – أوروبا – استراليا – ....)، وهو في الوقت نفسه بقرة يستطيع احتلابها البعض بالبقاء بعيداً عن ساحة المواجهة التي لم تهدأ منذ وعد بلفور، وهو يتحدث عن (إسرائيل) بحماس "كاذب" في منزل أنيق في نيويورك أو سيدني أو مونتريال حيث تعيش أغلبية يهود العالم خارج "أرض الميعاد"!!

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026