عكفت السلطة الفلسطينية في معظم وزاراتها ومؤسساتها ومنذ بداية عهدها عام على استبعاد المواطنين غير المرغوب فيهم من الفصائل الفلسطينية المعارضة لاتفاق أوسلو من الوظائف العامة وحرمانهم…
عكفت السلطة الفلسطينية في معظم وزاراتها ومؤسساتها ومنذ بداية عهدها عام 1994 على استبعاد المواطنين (غير المرغوب فيهم) من الفصائل الفلسطينية المعارضة لاتفاق أوسلو من الوظائف العامة وحرمانهم من حقهم في العمل والعثور على مصدر رزق مستقر نسبياً، وحرصت على وضع سلم للأولويات (متعارف عليه ضمناً) في قبول أي من المتقدمين لوظيفة ما بحيث يعطى المتقدم الفتحاوي الأولوية الأولى ومن ثم المنتمين لفصائل قريبة من حركة فتح ثم غير المنتمين ويأتي بعد ذلك المتقدمين من الفصائل المعارضة وآخرهم المعروفين بانتمائهم لحركة حماس.
ويأتي التحقق من الانتماء التنظيمي لأي من المتقدمين للوظائف عن طريق أجهزة الأمن الفلسطينية فيما يعرف بـ (السلامة الأمنية) حيث يقوم جهازي المخابرات العامة والأمن الوقائي بالتحري عن ذلك المواطن ويقدم تقريراً مفصلاً لدائرة الأمن السياسي في جهاز الأمن والتي بدورها تقدم توصياتها للوزارات بتوظيف فلان أو استبعاده.
وإذا ما وجدت الوزارة نفسها مضطرة لتعيين من لا توصي الأجهزة الأمنية بتوظيفه فإنها تحرص على ألا يتقدم في وظيفته أو يتبوأ منصباً كبيراً.
هذا في الوظائف المدنية أما في الجانب العسكري والأمني فإنه يشترط على المتقدم لأي دورة عسكرية للالتحاق بأي جهاز حتى الشرطة المدنية أن يرفق مع أوراقه الثبوتية سيرته الذاتية التنظيمية المفصلة من تاريخ التحاقه بحركة فتح والتي يجب أن تكون مشفوعة بتوقيع مسئول المنطقة في التنظيم وختم الحركة.
إن ربط قرار قبول أحد المتقدمين لإحدى الوظائف أو ربط مستقبله الوظيفي بانتمائه التنظيمي يعد سحقاً لأبسط مبادئ الديمقراطية التي يتغنى بها الجميع والتي تقوم بالأساس على التعددية السياسية. ويعكس ذلك الحالة النفسية التي تسيطر على المتنفذين من حركة فتح في السلطة الفلسطينية حيث لا يمكن فهم مبدأ قبول الآخر والشراكة السياسية وطرح حكومة وحدة وطنية في ظل هذه المعطيات إلا من باب ذر الرماد في العيون.
وإذا كان لابد من تحقق شرط السلامة الأمنية في المتقدمين للوظائف العامة فمن الضروري إعادة تعريف هذا المصطلح بحيث يتم التحقق من سلامة الموظف من ارتباطه بالمخابرات الصهيونية مثلاً أو السلوكيات غير الأخلاقية أو الأهداف التخريبية في مؤسسات الوطن لأن أمثال هؤلاء لا يمكن أن يكونوا مؤتمنين على مقدرات الشعب وأبنائه. أما أن يبقى الحال كما هو عليه فهذا بعينه هو القهر الوظيفي الذي وعد الرئيس محمود عباس بالقضاء عليه خلال حملته الانتخابية.
يبدو جلياً لمن يعيش في هذا الوطن أن استمرار عمل السلطة الفلسطينية بهذا المبدأ على مدار السنوات الماضية قد أفرز الكثير من غير المؤهلين علمياً أو أصحاب الكفاءات المتواضعة في مؤسسات السلطة حتى أصبح الشعب مثقلاً بهذا الكم الهائل ممن لا يصلحون للعمل في أماكنهم خاصة في أهم وأكبر القطاعات التي لها احتكاك مباشر مع المواطنين مثل التعليم والصحة ، الأمر الذي كرس حالة الفساد الإداري والمالي والذي ما استطاعت السلطة أن تنفيه عن نفسها. إن استمرار وجود أمثال هؤلاء في مواقعهم واستبعاد القوي الأمين من مراكز التأثير والإنجاز خاصة وأن أبناء الحركة الإسلامية هم من يتميز بالكفاءة العالية يضع مستقبل الشعب الفلسطيني على شفير الهاوية .
إن السلطة الفلسطينية إذ تحرص على العمل بهذه الطريقة فهي تهدف أولاً إلى تأليف قلوب أبناء حركة فتح بتوفير الوظائف والمراكز المرموقة والحفاظ على انتمائهم لها بعدما أصبح التذمر واضحاً في أوساط الشعب عامة ومنهم أبناء فتح من أداء السلطة ودورها في الآونة الأخيرة. كما تستخدم هذا الأسلوب للتأثير السلبي على المنتمين لحركة حماس والمقربين منها للتنفير من هذه الحركة محاولة فض الناس من حولها بمنعهم من حقهم في الحصول على عمل دائم، إلا أن هذه الطريقة لم تؤتِ أكلها مع أبناء الحركة الإسلامية على مر السنين بدليل أن جماهير حماس تزداد يوماً بعد يوم أمام أعين الجميع.
لقد حذرت حماس من مغبة الاستمرار في هذا النهج على كافة الأصعدة وكانت تطرح هذه القضية في معظم لقاءاتها مع الرئيس أبو مازن وحركة فتح والفصائل الفلسطينية والوفد المصري حتى توصلت إلى وعد السلطة الفلسطينية وحركة فتح بحل هذا الموضوع من خلال اتفاق القاهرة الأخير لكن ذلك لم يتم كما صرح الدكتور محمود الزهار قبل شهرين لوسائل الإعلام.
يبدو أن الموضوع سيأخذ مجرىً آخر بعد كل هذه التحركات الساعية لحل القضية حيث أصدرت الحركة بياناً توضح فيه أن عليها "القيام بواجبها تجاه شعبنا لوضع حد لهذا الظلم الفاضح عبر الفعاليات المتاحة على الأرض لثني هؤلاء المتنفذين عن سلوكهم المرفوض" وحذر الدكتور الزهار أيضاً في تصريح لمجلة العصر من أنه في حال عدم إنهاء هذه القضية، فإن الحركة سوف تقوم بخطوات عديدة لوقفها، مشيرا إلى أن أي وزارة تقوم بفصل موظف بسبب انتماءه السياسي، فإن حماس ستحمل الوزير المسئولية وسوف تقاضيه، باعتباره متهما في قضية تمس كل مواطن مشددا على أن الحركة لن تصمت طويلا على هذا الملف.
إن نزول حماس إلى الشارع الفلسطيني ووضعه في صورة هذه القضية سيشكل ضغطاً كبيراً على السلطة الفلسطينية وسيضع حركة فتح في زاوية ضيقة يتعذر فيها الدفاع عن نفسها وذلك على أبواب الانتخابات البلدية والتشريعية القادمة.