هكذا وبدون مقدمات يختطف الموت قامة عالية ممن تبكيهم السموات والارض وتستغفر لهم الحيتان في البحر وتحن اليهم المنابر والمحافل وفي الليلة الظلماء يفتقدون كما يفتقد البدر الكبار…
هكذا، وبدون مقدمات يختطف الموت قامة عالية ممن تبكيهم السموات والارض، وتستغفر لهم الحيتان في البحر، وتحن اليهم المنابر والمحافل، وفي الليلة الظلماء يفتقدون كما يفتقد البدر، الكبار، تلاميذ الكبار (الاشقر الشقيق وابن باز والالباني رحمهم الله جميعا )، هكذا يرحل العلماء الربانيون (كما نحسبهم ) فنودعهم وفي القلب مرارة، وفي العين دمعة حرى، كيف لا وهم أوتاد الارض، وتكاد توشك أن تميد برحيلهم، إنهم العلماء الربانيون الذين يرفع الله العلم برحيلهم، إنهم العلماء الكبار الذين حفظوا هيبة الدين والعلم وسموا به عن أن يبتذل، إنهم العلماء الذين ترفعوا عن موائد السلاطين، يوم أن تهافت الكثيرون عليها، إنهم العلماء الذين سمت نفوسهم ونأوا بأنفسهم عن منافسة الأقران الذين أضاعوا هيبة العلم حين قدموا على مكانته مقاعد السياسة ومكاسب الرياسة، إنهم العلماء الذين نبحث عن أمثالهم فلا نكاد نجدهم،يذكرونك بكبار الائمة وسلاطين العلماء والعلماء المجاهدين، فقد كان رحمه الله ممن كرسوا حياتهم وعلمهم لنصرة الجهاد والمجاهدين وكان مرجعا لهم في الكثير من أمورهم، هكذا كان استاذنا وشيخنا الذي لم نتشرف بالتتلمذ على يديه مباشرة، وإن كنا نحيا معه من خلال كتبه وفتاواه ومجالسه القليلة التي شهدناها.
رحل الشيخ قبل أن تكتحل عيناه برؤية الأقصى محررا، وترك لنا الأمانة التي كان يحرص على أدائها ويعمل لها، وهي قضية فلسطين والأقصى، رحل مهاجرا عن أرضه التي تحن اليه وتبكيه، ونسأل الله أن يكون أجره قد وقع عليه ( ومن يخرج من بيته مهاجرا في سبيل الله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله )، رحل الشيخ في زمن نحن أحوج ما نكون اليه وأمثاله، ونسأل الله أن يجعل لنا منه عوضا من العلماء العاملين المجاهدين الربانيين.
رحل الشيخ العالم المجاهد الرباني الذي كان يسخر العلم والفقه لنصرة الدين والأوطان والجهاد بروح العلماء الذين يعيشون قضيتهم بكل تفاصيلها، ولم يكن له في المحافل الرسمية احتفالا، لأنه آثر أن يعمل بصمت لقضية ينأى الكثيرون عنها لما لها من الخطورة في مواجهة أعداء هذه الأمة الذين أخترقوا كثيرا من حصونها ومعاقلها، حتى الدينية منها، فرحمك الله يا شيخ عمر، لقد كنت والله رجلا ممن قال الله فيهم ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ).
الى الله في الخالدين مع الرفيق الأعلى، الحق بصحبك حسن البنا وأحمد ياسين وعبد الله عزام وسيد قطب، وغيرهم ممن كنت على نهجهم وطريقتهم، فما من أحد أسعد منك اليوم وأنت ترحل في شهر رمضان،شهر العتق من النيران، نسأل الله أن تكون من عتقائه، ونسأل الله أن يجعل ما أصابك من المرض والابتلاء طهورا وكفارة من الذنوب، نسأل الله أن يجزيك عن أمة الاسلام وطلبة العلم والجهاد في فلسطين خير ما يجزي العلماء المجاهدين، وإن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا على فراقك يا أخانا واستاذنا لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، فانا لله وإنا اليه راجعون.
رحمك الله وأجزل مثوبتك وألحقنا بك في الصالحين.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع