فلسفة الاستيطان الصهيوني بعد إخلاء غزة

فلسفة الاستيطان الصهيوني بعد إخلاء غزة

محمد خالد الأزعر
2005-09-22

بالنسبة لأصحاب النظرة الشاملة من متابعي الخط البياني لمسيرة المشروع الصهيوني يسجل اندحار المستوطنين عن قطاع غزة انعطافا باتجاه الهبوط ومهما كان العنوان الذي ستستقر تحته خطة آرييل…

بالنسبة لأصحاب النظرة الشاملة من متابعي الخط البياني لمسيرة المشروع الصهيوني، يسجل اندحار المستوطنين عن قطاع غزة انعطافًا باتجاه الهبوط. ومهما كان العنوان الذي ستستقر تحته خطة آرييل شارون للانفصال بعد استكمال تطبيقها، إعادة انتشار أم انسحاباً نهائياً، فإن هذا الانعطاف سيبقى في طليعة الحقائق التي يمكن ملامستها ومعاينتها، وتستحق الجدل حول تداعياتها ودلالاتها الاستراتيجية على سيرورة الصهيونية فكرًا وحركة.

موجز هذه الحقيقة لمن أراد الاعتبار هو أن يهودًا صهاينة احتلوا القطاع، وأقاموا لهم مجتمعات سكنية فيه، وشغلوها لما يقرب من جيلين، ثم اضطروا إلى إخلائه والجلاء عنه بعد التأكد من عدم جدوى هذه العملية أمنيًا أو اقتصاديًا أو سكانيًا، أو لهذه الأسباب جميعًا. هذا يعني مباشرة خروج غزة وقطاعها من دائرة الاستهداف الصهيوني لـ"أرض إسرائيل" نزولاً عند أي ذريعة، توراتية كانت أم غير ذلك. باتت غزة بذلك أولى مناطق الجغرافيا الفلسطينية الناجية من هذه الدائرة اللعينة وحبائلها شديدة التعقيد. ومن هذا المنظور، ثمة مبرر للاعتقاد بأننا إزاء خطوة من شأنها تعرية أحد أكثر أعصاب المشروع الصهيوني حساسية وتعريضه لآلام مبرحة، نقصد بهذا البعد الاستيطاني على أرض فلسطين التاريخية.

ولا ينقض هذا الاعتقاد أو يقلل من شأنه القول إن غزة لا تدخل في الحيز التوراتي المستهدف من فلسطين. أولاً لأن الصهيونية والصهيونيين استوطنوا فيها بالفعل، وثانيًا لأن بعض هؤلاء فعلوا فعلتهم عن قناعات وحسابات توراتية. ثم إن منظري المشروع ما كان يعز عليهم ابتداع تاريخ يهودي لغزة، لو إنها لم تكن عصية على الهضم. ويبدو أن بعضهم ذهب هذا المذهب، فرأينا واحدة من أسر المستوطنين أغلقت عليها الأبواب، وأبت الخروج، استجابة لنداء حاخام وعدها بحدوث معجزة سماوية تحول دون اقتلاع المستوطنين في اللحظة الأخيرة!

عملية إخلاء مستوطنات غزة لا تقاس بحجمها فقط، فالأهم من ذلك هو زلزلتها، بقدر ما، لقُدس أقداس الأيديولوچية الصهيونية الاستيطان، فأضحى قضية قابلة للمساومة على قاعدة المصالح المنظورة البحتة، كالأمن والتوازن الديموغرافي والمقايضات الاقتصادية والتعويضات المالية... إلخ. ثبت أن القضية لا تتصل قيامًا وقعودًا، اتساعًا وانكماشًا، بإرادة فوق تاريخية علوية سماوية. ونحسب أن حيثيات ومعطيات كهذه لن تمر على الصهيونية وكيانها السياسي، ولا على خطابها التعبوي السياسي الأيديولوچي من دون ارتكاسات جسيمة، يستطيع الجانبان الفلسطيني والعربي أن يجعلاها ارتكاسات ضارة.

لعل الداخل الإسرائيلي يشهد راهنًا شيئًا من الجدل المستعر في هذا المضمار. وما يدور من احتكاك وتدافع بين أنصار خطة الانفصال وخصومها على مستوى النخبة والعامة، يتصل مباشرة بمستقبل البعد الاستيطاني من الحركة الصهيونية ومشروعها السياسي. خصوم الخطة بالذات لم يعودوا بوارد الاطمئنان على سلامة هذا البعد. ولا بد من أن المستوطنين في غير غزة يتساءلون عن مصيرهم، وما إن كانوا مجالاً أو موضوعًا لمساومات مشابهة، في سياق مستجدات أو معطيات كالتي خضع لها نظراؤهم في غزة ذات حين أو آخر، ولو على الأجل الطويل؟. وحري بهؤلاء أن يتساءلوا أيضاً عما إذا كانوا مجرد أدوات وأوراق تستخدمها النخب الصهيونية الحاكمة في تحقيق أغراض بعينها، وقد تتخلى عنهم في ظروف بعينها أيضًا، كما يقول الفلسطينيون؟!

 

وإذا كان البعد الاستيطاني في المشروع الصهيوني موصولاً عضوياً بحبل من مدد اليهودية العالمية، لا سيما بشريًا (سكانيًا)، فمن الطبيعي أن يقترن جدل الداخل الإسرائيلي حول هذا البعد بجدل مواز في الخارج. وهنا، نتصور أن مفردات الخطاب الدعائي والرعوي الصهيوني الهادفة إلى استفزاز يهود العالم باتجاه الهجرة إلى "إسرائيل" ستتعرض لمحنة شديدة. إخلاء مستوطنات غزة يفترض النيل من دوافع الهجرة، دينية كانت أم دنيوية، ونحن نذهب إلى أن المبالغة الإسرائيلية الإعلامية السياسية في حمل مشاهد الإخلاء إلى الجهات الأربع، ربما تكون أوقعت أضراراً بالخطاب الصهيوني الخاص بالهجرة! بمعنى أن يهود العالم ربما تعرضوا لبعض نيران الإعلام الإسرائيلي الصديق بلا قصد. فمهندسو الصورة أرادوا إظهار حجم المعاناة التي يخوضها شارون وأنصاره، وهم ينظفون غزة من أتباعه ومريديه السابقين «من أجل السلام»، لكن الصورة نفسها، حيث يهود يجلون يهودًا عن مستوطناتهم بعد أن أقاموا فيها عقودًا، قد تثير حفيظة يهود الخارج إزاء صدقية وعد الهجرة والاستيطان في فلسطين برمتها. ومن المتوقع أن يتساءل هؤلاء عن موضع الخلل في هذا الوعد، هل هو في النظرية أم في التطبيق أم في كليهما معًا. على أن النواة الصلبة في المشروع الصهيوني، فكريًا وسياسيًا ومؤسسيًا، لن تقف مكتوفة إزاء اندلاع هذا الجدل على صعيدي الداخل والخارج. علينا أن ننتظر بالخصوص هجومًا مضادًا بغية إعادة ترميم ما انكسر صهيونيًا من جراء خطوة الإخلاء وتوابعها. ولن يكون استثناء ولا مفاجئًا في هذا الإطار، التوسل بتشديد قبضة الاستيطان في الضفة والقدس. وبث الثقة في نفوس المستوطنين بإطلاق أيديهم - وربما بنادقهم - وإسباغ مزيد من الحماية عليهم ومنحهم مزايا عنصرية مضافة ضد المحيط الفلسطيني.

والحق أن الفلسطينيين معنيون بصيرورة هذا الجدل، وما سيتأتى عنه من نتائج وتفاعلات. إنهم والحال كذلك، مدعوون للدخول بأقصى قدر من الحكمة والذكاء على خطوطه داخل "إسرائيل" وخارجها. إن خطابهم مثلاً بشأن مصير الاستيطان وضرورة أن يؤول إلى الزوال راح يكتسب بعض الصدقية. كذلك الأمر في ما يخص أدواتهم للتعجيل بهذا المصير، سواء كانت عنفية أم غير عنفية. ولا شك أن الظرف مناسب لتعزيز الخطاب الإنساني الديموقراطي الذي طالما غلف مبادرات التسوية الفلسطينية للصراع مع "إسرائيل". يستطيع الفلسطينيون تذكير الجميع بأنهم أعلنوا لعشرات السنين أن لا مستقبل للاستيطان الصهيوني خارج حدود 1967، وأن الهجرة اليهودية تؤجج الصراع في فلسطين وتمثل تغريرًا بيهود العالم وسوقهم إلى مصير بائس.

صحيفة الحياة اللندنية 21/9/2005

 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026