جدول عادي هناك أشخاص بمجرد ذكرهم أو الجلوس معهم تتحول الجلسة والمكان وكل شيء إلى فرح وسرور تذكرهم وتبتسم لهم أسلوب خاص في الحديث وظل خفيف قليلون من يشاركونهم هذه الخفة والدماثة…
هناك أشخاص بمجرد ذكرهم أو الجلوس معهم تتحول الجلسة والمكان وكل شيء إلى فرح وسرور ، تذكرهم وتبتسم ، لهم أسلوب خاص في الحديث وظلّ خفيف قليلون من يشاركونهم هذه الخفّة والدماثة .
أنا على يقين أن كل من سيقرأ هذا المقال ممن يعرفون أبا محمد سواء كانوا في السجون أو خارج السجون سيبتسمون ويضحكون وسيتذكرون الكثير من المواقف والأحداث التي قام بها سميح والتي كان لها دور كبير في إدخال السرور على قلب الإنسان وخلق حالة من الراحة والاطمئنان حتى في أصعب الأوقات .
هناك من يقول أن للسفر فقه وآداب وكذلك للسجون آداب وفقه خاص ، قد يكون من أهمها المرح وإدخال السرور على قلوب الناس وأن لا تأسر نفسك مرتين مرة بيد السجان ومرة تحت سيف الحزن والضيق... وسميح عليوي التاجر الذي تحمّل ما تنوء الجبال عن حملانه هو أحد هؤلاء الذي يحولون المكان كل المكان إلى جو جميل من المرح والفرح والسرور بظله الخفيف .
بمجرد دخوله إلى القسم الذي كنا فيه ومع الدقائق الأولى كان أبو محمد يبتسم وكان الكل يقابل الابتسامة بابتسامة وبدأت الرحلة مع هذا الرجل وبدأ كل شيء بالمكان يتغير مرح فرح سرور كلام جميل نكات كل شي أصبح يضحك فسميح ملك في كسب القلوب .
طبعا سميح عليوي خادم لإخوانه بشكل كبير من أصعب المهام التي يتهرب منها الشباب داخل السجن تحضير الطعام وإعادة تجهيزه لكن سميح يجد نفسه بخدمة إخوانه لا يتكبر عن فعل كل شيء أو أي شيء ، وبصدق أن سميحاً مميز بشكل لا يمكن وصفه فهو طاهي وطباخ محترف الأهم من كل هذا وذلك أنه يصنع من لا شيء شيئاً وأقرب ما يكون طعامه لطعام الإنسان في بيته .
كان يمضى ساعات طوال يحضر الطعام ووحده لإخوانه وجبة الإفطار والوجبة الرئيسية دون تعب أو كلل أو ملل مع كل ذلك لا ينتظر شكر أي أسير يعتبر ذلك واجباً... يحضر الطعام وهو يرسل النكات والابتسامات والتعليقات التي تخفف عن الأسرى تدخل السرور على فما أكثر ما كان يقول (كان رضي الله عنه يفعل كذا ) في كناية عن نفسه .
كان الأسرى في سجن مجدو وبمجرد سماع صفارة إنذار الحريق في القسم يعلمون أن السبب في هذه الصافرة سميح عليوي فأثناء إعداده الطعام وشويه كانت تخرج أدخنة وما شابه تؤدي على الفور إلى إصدار هذا الصوت المزعج فيبتسم سميح ويقول .. خليهم يشتغلوا ويطفوا الإنذار طبعاً يقصد إدارة السجن .
في إحدى المرات دخلت وحدات خاصة إلى الغرفة التي نعيش فيها وخلال ثواني كان الجميع مقيداً وسميح معنا كان الوضع لا يحتمل إطلاقاً الحديث... اقتحموا الغرفة من أجل العثور على جهاز هاتف نقال وحيد كان يستخدمه 120 أسيراً وكان الجهاز قد خرج من الغرفة قبل وقت قليل فكنا رغم الاقتحام سعيدين لأن الجهاز غير موجود ... سميح لم يستطع أن يخفي سروره فبات يتحدث بطريقة فكاهية ويعلق على الجنود ويقول لهم لن تجدوا شيئاً .. بعد التفتيش الجسدي أخذونا إلى خارج الغرفة إلى الحمام الكبير وهناك بدأ سميح يغني للشباب أغنية الانتصار وفشل مساعي الاحتلال كان يركب الكلام ويؤلف .. لم يبق أحد إلا وضحك لدرجة البكاء من شدة الضحك .
سميح عليوي ابن مدينة نابلس والذي اعتقل في ذات الليلة التي اعتقل فيها الشهيد زهير لبادة من جيل الانتفاضة الأولى من شبابها شارك مع زهير وغيره من الشباب الإعداد للتصعيد في الانتفاضة الأولى وكان من شبابها ورجالاتها الذين تشهد له مدينة نابلس بذلك ليلة الإعتقال منتصف شهر كانون أول في عز البرد نزع ملابسه ووضعها على جسد الأسير زهير متحملا البرد الشديد ليريح اخيه المريض فلله درك يا سميح استشهد زهير وبقيت أنت تبكي رفيقك في زنزانتك .
سميح عليوي الذي توفى والده وهو صغير كان يدين لوالدته بالكثير فهي من وقفت بجواره وعلمته كل شيء حتى أصبح سميح تاجر الذهب الكبير وبالرغم من وضعه المادي الجيد استمر في العمل من أجل فلسطين فاعتقل مرات ومرات وخضع للتحقيق أكثر من مرة وتنقل في السجون والمعتقلات .
شرف الله سميح عليوي بأن يعيش مع الشهيد الشيخ أحمد ياسين ويفتخر أنه كان خادمه كان يعد للشيخ الطعام الشهي ويحدثه بأجمل الكلام ويخفف عنه ويساعده في الحمام ويتحدث سميح عن تلك الأيام بفرح وفخر وحزن شديد على فقدانه الشهيد .
سميح عليوي وبالرغم من تجاوزه الخمسين من العمر أصر أن يشارك رفاقه الإضراب الأخير عن الطعام فأضرب لمدة 23 يوماً بشكل متواصل وضرب بذلك مثلاً للشباب بأن القادة قبل الجند يتقدمون الصفوف ويضربون الأمثال في الصبر والجلد .
سميح حكاية من فلسطين لجيل قديم تربى على الصدق والعمل دون مقابل تقي ورع يقوم الليل كثير الذكر لله لا ينسى الشهداء ويتحدث عنهم يحب أهل بيته ويتحدث عن أولاده وعن صفاتهم .
سميح صاحب نفس توّاقة للحرية محبة للحياة مؤمن بقضاء الله وقدره متوكل عليه فعلاً لا قولاً رجل يحب الناس ويكره الاستغابة .
سميح رجل أحبّه الجميع ممن التقاه وعاش معه وقسماً كما ذكرت لكم لم أزد على الواقع حرفاً أقدمه لكم عبر هذه السطور لتحبوه وتدعو الله أن يفرج كربه وإخوانه وأن يعود سالماً غانماً ولكي تعرفوا كيف يكون الرجال في المحن صبر وابتسامة واحتساب .
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع