تحدثنا نحن العرب كثيرا عن غزة وعن دلالات الانسحاب الإسرائيلي منها ولذلك قد يكون مفيدا أن نتوقف قليلا لنسمع حديثا إسرائيليا عن المسألة نفسها حديثا إسرائيليا موجها إلى الإسرائيليين…
تحدثنا نحن العرب كثيراً عن غزة، وعن دلالات الانسحاب الإسرائيلي منها. ولذلك قد يكون مفيداً أن نتوقف قليلاً لنسمع حديثاً إسرائيلياً عن المسألة نفسها، حديثاً إسرائيلياً موجها إلى الإسرائيليين، وليس موجهاً لا للفلسطينيين ولا للعرب. وفي الحديث الإسرائيلي هذا نجدهم يسترجعون شيئاً من التاريخ ويقولون
شهادة أولى
«عندما احتلت "إسرائيل" شبه جزيرة سيناء في عام 1956، سارع رئيس الحكومة ديفيد بن غوريون للإعلان عن إنشاء مملكة "إسرائيل" الثالثة، ولكن سرعان ما اضطر للتراجع إلى الوراء، وتوجيه أوامر للجيش بالانسحاب.
موشيه دايان الذي كان رئيساً لهيئة الأركان، وكان وزيراً للدفاع في حرب حزيران/يونيو1967، كوى عقله الانسحاب القسري الذي تم قبل ذلك بعشر سنوات، ولذا أمر في بداية المعارك بتجنب احتلال قطاع غزة، ولكنه انجرف مثل أقرانه الآخرين في القيادة، ووقع في حبائل نشوة النجاح العسكري، وأمر بالسيطرة على قطاع غزة.
غداً.... ستدفع "إسرائيل" آخر ثمن مترتب على ذلك القرار، وتجرجر أذيالها من غزة. علينا أن نأمل بأن تنقش عبرة وهم قدرة الدولة على السيطرة على هذه المنطقة، وغيرها من المناطق التي احتلت عام 1967، في ذاكرة الأجيال.
انعدام المشاعر طوال 38 عاماً، ينفجر في نهاية المطاف ويتلاشى. والسيطرة الجبروتية الطاغية والطويلة على شعب آخر، تستسلم هي أيضاً لمطامحه التحررية وتطلعه للاستقلال .... ومثلما أجبرت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي "إسرائيل" على الانسحاب من سيناء ومن قطاع غزة في آذار/مارس 1957، سيقوم العالم مرة أخرى في القرن الواحد والعشرين، بمنعها من مواصلة السيطرة على الأراضي التي احتلتها عام 1967 طوال عقود».
(عوزي بنزيمان - هآرتس – 11/9/2005).
شهادة ثانية
«قبل خمسين عاماً، وعلى مسافة قصيرة من المكان الذي تنغلق فيه البوابة من خلف القوات (الإسرائيلية) المنسحبة (من قطاع غزة)، ألقى رئيس هيئة الأركان موشيه دايان خطابه الشهير على قبر (المستوطن) روعي روتبرغ. قال دايان نحن جيل المستوطنات، ومن دون خوذة الحرب وفوهة المدفع لن نتمكن من غرس شجرة أو بناء بيت. هذا قدر جيلنا، وهذا خيار حياتنا، أن نكون مستعدين ومسلحين وأقوياء وحازمين، وإلا فإن السيف سيسقط من قبضتنا وتنتهي حياتنا. (روعي روتبرغ) الفتى الذي توجه من تل أبيب لبناء بيته في أبواب غزة، حتى يكون سوراً لنا، أعمى الضوء الذي في قلبه عينيه فلم ير بريق الخطر، صمّ سعيه للسلام أذنيه فلم يسمع صرخة العدو القاتل».
إن «مجرد سيطرتنا على قطاع غزة لهذه المدة الطويلة من الزمن، هذه السيطرة عديمة الجدوى، والمفتقدة للمستقبل، يدلل على أن الاحتلال هو شيء يتجاوز الاعتبارات الأمنية».
(عوفير شيلح - يديعوت أحرونوت – 11/9/2005).
شهادة ثالثة
«التاريخ المضرج بالدماء لغزة، بدأ في حرب الاستقلال (1948) عندما قصفها سلاح الجو عدة مرات. بعد الحرب تشكلت فيها قاعدة انطلاق لوحدات الفدائيين، المتطوعين الفلسطينيين والمصريين الذين زرعوا الموت في منطقة الجنوب، وكان منهم من وصل حتى بوابات تل أبيب.
عملية الرد الأولى للجيش الإسرائيلي تمت في 28 شباط/فبراير 1955 ضد معسكر كبير في غزة. هناك من يدعي حتى اليوم أن تلك العملية أثرت بشدة على جهود السلام بين مصر و"إسرائيل"، ودفعت بالحاكم المصري في حينه، جمال عبد الناصر، إلى التوجه إلى الاتحاد السوفياتي لطلب السلاح. وفقد الجيش الإسرائيلي في تلك العملية 18 من جنوده، قائدهم كان، وكيف لا، آرييل شارون».
و«من غزة ولدت الانتفاضة الأولى في كانون الأول/ديسمبر 1987... وأضرمت نار الثورة، ومنذئذ، وعملياً، تتواصل الحرب بكامل شدتها مع فترات هدوء مختلفة...... واندلعت الانتفاضة الثانية عام 2000، فزاد الوضع سوءا...... وغدا سيتركها الجيش الإسرائيلي خلف ظهره، ولكن ليس واضحا بعد إذا كان جحر الأفاعي هذا سيكف عن أن يخلق لنا المشاكل والمتاعب».
(ايتان هابر - يديعوت أحرونوت – 11/9/2005).
شهادة رابعة
ولكن ماذا كانت غزة بالنسبة للمحتلين؟ إنهم يعترفون صراحة أنها كانت رعباً متصلاً، وكانت عملاً لا أخلاقياً، وها هي أقوالهم مكتوبة وموجهة لمواطنيهم، وفيها يقولون
«غزة... التي مجرد رنين اسمها يبعث القشعريرة في ظهورنا. غزة ... التي أصبحت في وعينا جميعاً اسماً رديفاً لشرك الموت. غزة ... التي في أزقتها المكتظة يعيش العربي الأكثر تهديداً. هذه هي غزة مزيد من السخافة، وانعدام المنفعة، انغلاق الحس وقصر النظر، الإهمال والتبذير حياة الشبان في رهان خاسر. هذه هي غزة، الخطيئة والعقاب لكل حكومات إسرائيل».
«الرجل الذي رمز، أكثر من أي شيء آخر، للاحتلال بأسوأ ما فيه، الرجل الذي تباهى بأنه نظف أزقة غزة من الإرهاب (عام 1972)، هو الرجل الذي نظف قطاع غزة من التواجد الإسرائيلي».
(سيما كدمون - يديعوت أحرونوت – 12/9/2005).
شهادة خامسة
«في نظرة إلى الوراء، إلى سنوات الاحتلال، لا يمكن إلا الاستنتاج بأن هذه المسيرة كانت مسيرة الحماقة. والتي لم تؤد فقط إلى عدم تحقيق أية أهداف قومية، وإنما ألحقت بالدولة والمجتمع والاقتصاد أضراراً هائلة. نظام الاحتلال ترك بصماته السلبية على معايير المجتمع، ومئات الضحايا سقطوا على مذبح الدفاع عنه، والمليارات بددت لإقامة مستوطنات لا أساس لبقائها».
(هآرتس - أسرة التحرير – 12/9/2005).
شهادة سادسة
«لم تنهمر الدموع من عيون ضباط الجيش الإسرائيلي الذين راقبوا أمس إغلاق البوابة في حاجز كيسوفيم. الإحساس السائد كان بالذات إحساسا بالراحة... عقب ضابط كبير من الصعب التصديق، إنه لزمن طويل جداً، ما كان يمكن لهؤلاء الناس النزول إلى الطريق الذي يمر تماماً بمحاذاة بيوتهم. ضابط آخر قال أنا فرح من أجل عشرات الآلاف من سكان خان يونس، ممن لم يكن بوسعهم الوصول إلى شاطئ البحر الذي لا يبعد عنهم سوى 2 كلم، لأن (مستوطنة) غوش قطيف كانت تفصلهم عن الشاطئ».
(عير ربابورت - معاريف- 13/9/2005)
شهادة سابعة
وفي هذه المرة شهادة عن المستقبل. عن الضفة الغربية ومستوطناتها. إنها تقول
«مستوى انعدام المنطق هو وحده الذي ينافس درجة الوقاحة الإسرائيلية في كل ما يتعلق بتعاملها مع الفلسطينيين. رئيس الوزراء يشيد جداراً فاصلاً في باحة الجيران من دون أن يطلب إذنهم، ومن دون اكتراث باحتجاجاتهم... وهناك ما لا يقل عن 376 حاجزاً عسكرياً... موزعة في أرجاء الضفة الغربية، محولة إياها إلى السجن الأكبر في العالم. "إسرائيل" تقرر كيف ومتى ومن يسمح له بالصلاة في الأماكن الإسلامية والمسيحية في القدس. كل ذلك يأتي بعد أن تعهد شارون أمام الرئيس الأميركي بتسهيل حرية الحركة في المناطق».
«الانسحاب من غزة هو مرحلة أولى، يمكن أن تتحول إلى عملية حاسمة في خطة الفطام من الاحتلال الخبيث. فك الارتباط الجزئي من الاحتلال يثير مشاعر صعبة وسلبية، مثل فك الارتباط المؤلم عن المخدرات السامة».
(عكيفا الدار - هآرتس – 12/9/2005).
توجه هذه الشهادات رسائل مختلفة إلى المواطن الإسرائيلي كي يفكر بطريقة جديدة ومختلفة، كي ينبذ الاحتلال ويقلع عن منهج التحكم بمصير شعب آخر. ولكن هذه الشهادات توجه في الوقت نفسه رسائل إلى الفلسطينيين العاديين، تقول لهم إن نضالهم وصمودهم وصبرهم هو الذي حول حياة المحتلين إلى جحيم. وتوجه رسالة أخرى إلى بعض القياديين الفلسطينيين، تقول لهم إنه لولا الانتفاضة ونضالاتها لما فكر المحتلون بالانسحاب من غزة وتفكيك مستوطناتها، لعل ذلك يشكل ردا على أطروحاتهم التي تصور الانتفاضة بأنها مصدر الشرور. ما يلفت النظر هنا أن إسرائيليين كثيرين تبنوا نظريات الوصول إلى ما يريدون بالقوة، وإن فلسطينيين كثيرين تبنوا أنه لا جدوى من النضال أمام القوة الإسرائيلية، ولكن الحقائق على الأرض، والتي هي حجارة التاريخ، فرضت نفسها من دون أن تلتفت لهؤلاء أو لهؤلاء.
صحيفة الشرق الأوسط 18/9/2005