إعادة تعريف الاحتلال

إعادة تعريف الاحتلال

خيري منصور
2005-09-20

خيري منصور ما الذي يبقى خارج الاحتلال وكماشاته إذا كان الماء أسيرا والفضاء معتقلا والحدود مقيدة والمعابر ممنوعة من العبور حين أصغى الناس بالأمس لخطاب رئيس الوزراء في السلطة الوطنية…

خيري منصور

ما الذي يبقى خارج الاحتلال وكمّاشاته إذا كان الماء أسيراً، والفضاء معتقلاً والحدود مقيدة، والمعابر ممنوعة من العبور؟

حين أصغى الناس بالأمس لخطاب رئيس الوزراء في السلطة الوطنية الفلسطينية أحمد قريع شعروا بأن الانسحاب من غزة لا يزال قيد المطالبة الفلسطينية بإنجازه، لأن الاستغاثات التقليدية بالمجتمع الدولي، وبالتحديد بالمعتصم الأمريكي فقدت جدواها وربما صلاحيتها أيضاً، فالحرامي لن يكون حامياً، وفاقد الشيء لن يعطيه.

وعدد المرات التي لاذ بها الفلسطينيون بالمارد الأمريكي كي يضع حداً لربيبه المدلل أكثر من عدد الشعرات في لحية غزيرة، وبات على الناس أن يتأقلموا مع هذه اللعبة المملة التي يلعب فيها شارون مع نفسه، وبلا شبكة أو حتى حكام.

 والجنرال الذي سارع إلى نكث أهم ما وعد به في مناسبات تخصه وحده، وتغسل سمعته الدموية وتدخله إلى غرفة الإنعاش، لن يتردد في العثور على صيغة أخرى للاحتلال، بحيث يبدو الانسحاب شكلياً، وتمويهاً، وإفراغاً للقضية كلها من مضمونها.

لم يمانع رئيس الوزراء في السلطة الفلسطينية بدخول طرف ثالث إلى معبر رفح، غير الطرفين الفلسطيني والمصري، ورغم أنه لم يحدد هوية هذا الطرف إلا أن الباب يبقى موارباً، وبه متسع لمسمار جحا شاروني، وقد يبدو هذا الإلحاح حول إعطاء الانسحاب معناه الحقيقي، أشبه بالتعجيز، خصوصاً بمقياس هؤلاء الذين غسلوا أيديهم من حرب الاستحقاق، في صراع غير متكافئ!

لكن ليس من حق أحد أن يعطي الكيان الصهيوني صك براءة من خلال انسحاب ناقص وجزئي، بحيث يتحول هذا الانسحاب التكتيكي إلى تكريس الاحتلال استراتيجياً في أغلبية الأراضي الفلسطينية وقد لا تكون هذه المناسبة ملائمة للتذكير باقانيم الاستقلال، وعناصره التي إن غاب أحدها فإن المثلث ينهار.

ولا ندري كيف يمكن لاستقلال حتى لو كان نسبياً أن يتحقق إذا كان الماء محتلاً وما من اعتراف جدي بحدود إقليمية، وإذا كان الفضاء محتلاً أيضاً بحيث لا يحلق فيه طائر بلا إذن من المحتل.

وأخيراً كيف يمكن لانسحاب حقيقي أن يبقي البوابات ملغومة؟ والحدود وهمية؟ إن كل يوم جديد، يقدم قرينة أخرى للبرهنة على أن شارون ليس جاداً على الإطلاق في إنجاز أي انسحاب إلا إذا كان هذا الانسحاب موظفاً لأسباب داخلية وباعتباره ثمناً لتلك اللاءات الثلاث التي شملت القدس والضفة الغربية، وهدد حق اللاجئين في العودة!

وقد لا يحتاج المراقب إلى قدر كبير من التشاؤم أو المبالغة في الشك بنوايا الدولة العبرية كي يقول أن غزة لا تزال محتلة، وأن ما جرى من انسحاب بحاجة إلى فحص عيّنة واحدة على الأقل منه.

وسواء كانت هذه العينة من الماء أو الهواء أو من معبر أو حدود، فإن المجهر السياسي والعسكري يجزم بأن الانسحاب يحتاج إلى تعريف آخر كي ينطبق على ما جرى في غزة.

وقد نفرح، ونرضي وجداننا القومي الجريح ونحن نسمع عن تغيير أسماء الأماكن "بحيث يصبح إريز بيت حانون" لكن هذا التحرير الرمزي لا يصمد كثيراً أمام احتلال يعاد إنتاجه، ويجري تحديث أدواته. بحيث يصبح ملتبساً وما من أحجية كتلك التي تطالبنا بأن نقول ولا نقول أو نمشي ونحن واقفون.

صحيفة الخليج الإماراتية 19/9/2005

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026