دوافع القلق (الإسرائيلي) من الانتخابات الرئاسية المصرية

دوافع القلق (الإسرائيلي) من الانتخابات الرئاسية المصرية

د. عدنان أبو عامر
2012-05-28

جدول عادي تسود حالة من القلق والترقب وسط المسئولين والمحللين الإسرائيليين بعد إعلان نتائج الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة المصرية حيث يتعاملون بحذر شديد في هذا الموضوع ويتجنبون…

تسود حالة من القلق والترقب وسط المسئولين والمحللين الإسرائيليين بعد إعلان نتائج الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة المصرية، حيث يتعاملون بحذر شديد في هذا الموضوع، ويتجنبون مهاجمة أي من الأطراف المتنافسة خوفاً على اتفاقية السلام التي تقف على المحك.

ومع ذلك يبدون خشية كبيرة من صعود الإخوان المسلمين، وانقلاب المعادلات الإقليمية، كما يحاولون فرز عدة خيارات تتدرج من سيئ إلى أسوأ، ولذلك فهم يتطلعون لـ"أحمد شفيق" الذي يتمتع بسمعة براغماتية، ويعرف تماماً تكلفة حرب مع (إسرائيل)، وخلافاً لباقي المرشحين فإنه مستعد لزيارتها لإظهار أن لديه نوايا طيبة.

وقد بدا واضحاً أن هناك اطمئناناً ولو مزعوماً، من قبل محافل مطلعة في تل أبيب إلى مصير اتفاق "كامب ديفيد" مع مصر، لأن المشاكل الاقتصادية كبيرة جداً، وسيكون من الصعب مواجهتها، والتعاطي معها من قبل أي رئيس سيقودها في المرحلة القادمة، دون أن تستمر الشركات الأجنبية الكبرى بالعمل فيها، ودون أن تعمل قناة السويس والسياحة، وكل هذه الأمور تتم من خلال الاتفاقات الدولية، ومنها "كامب ديفيد".

في المقابل، وزعت تل أبيب ما يمكن أن يسمى "شهادات حسن سير وسلوك" لمرشح النظام السابق، أحمد شفيق، على اعتبار أن مصر تحت حكمه ستنطلق نحو إعادة البناء، ومع أنه ليس كاريزماتيا، فإنه بلا شك زعيم مجرب خبير في إدارة المنظومة السلطوية، وسياسته ستكون مسئولة ومتوازنة، ويفهم معنى استخدام القوة وقيودها، وأهمية التقرب من دول المنطقة والدول الغربية، مع التشديد على الولايات المتحدة.

وبالنسبة للعلاقات مع (إسرائيل)، من المتوقع لها أن تعود لتكون كما كانت عليه حتى اليوم، وسيعمل حيالها على مستويين: المطالبة بالتجريد النووي للمنطقة، وإعادة طرح الأجندة الفلسطينية على جدول الأعمال، وقد يعمل على منع التدهور.

أما بزعامة د. محمد مرسي، مرشح الإخوان المسلمين، والتحليل للإسرائيليين، فقد تتحول مصر مكاناً إضافياً لإيران، وستدخل في "معمعان" وفوضى عارمة، لها تبعات إقليمية واسعة للغاية، بفعل أنه عديم كل تجربة سلطوية، ليس له فهم اقتصادي وسياسي دولي، وفي ظل غياب قدرته على بلورة أجندة سريعة للانتعاش الاقتصادي والدولي، فإن من شأنه أن يأخذ مصر إلى مطارح إيديولوجية وكراهية غربية.

• ترجيح الجيش

ومن شأن ذلك ربط مصر بميول التعاظم الإسلامي في المنطقة، بحل مركز القوة العسكرية المركزية، وتسلل ميليشيات المنظمات المسلحة المنتشرة في وسط وشمال وشرق أفريقيا، لأن مصر "الضعيفة" ستشكل تهديداً على (إسرائيل) أيضاً.

ومع ذلك، تكاد تجمع المحافل الأمنية والاستخبارية الإسرائيلية المواكبة للوضع المصري المتلاحق، بأن مصر ما بعد الانتخابات يمكن أن تتبع سياسة جديدة، وتخرج من الدائرة التي وقعت فيها من خلال سياسة مبارك، والآثار السلبية التي رافقت الثورة والتغيير، ويبقى الاحتمال الثاني بأن تقودها الانتخابات إلى انكفائها للأوضاع الداخلية، مما سيجعل المنطقة تتأثر بشكل كبير بنتيجة الجولة الثانية من الانتخابات.

في ذات الوقت، لم تستبعد المحافل حصول انقلاب عسكري بعد الانتهاء من الانتخابات، لأن انتخاب رئيس غير إسلامي، سيؤدي إلى حدوث شرخ في العلاقات مع البرلمان، الذي تُسيطر عليه الحركات الإسلامية، خلافًا لفترة حكم الرئيس المخلوع، حيث يتخذ القرارات بصورة حرة، وبعيدًا عن إملاءات الرئيس، ولم يعد ختمًا مطاطيًا بيده.

وكل ذلك مدعاة للقلق الذي تحياه (تل أبيب) حالياً، جراء التحول الذي تشهده مصر، خاصة وأن النتائج قد لا تصب في خدمة المصالح الإقليمية لأمريكا و(إسرائيل)، وإن معاهدة السلام قد لا تستمر طويلاً خلال المرحلة المقبلة، وستكون مفاجأة سارة إذا ظلت في حيز التنفيذ لسنوات قليلة قادمة.

الأخطر مما تقدم، أن (إسرائيل) لن تستطيع أن تفعل الكثير لتغيير الاتجاه الذي قد تسلكه مصر خلال السنوات القادمة، وستلجأ كعادتها للولايات المتحدة، التي لم يعد لها نفوذ كبير بعد سقوط مبارك، ما يعني أنها ستواجه استفزازات عديدة من جانبها، سواء من خلال خطابات عدائية ستتبناها الحكومة القادمة، أو هجمات من سيناء، مما يتطلب من تل أبيب الحفاظ على معاهدة السلام، وإيجاد وسيلة للحفاظ عليها، وإبقاء العلاقة مستقرة مع مصر بأي ثمن، حتى لو كانت برئاسة زعيم إسلامي.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026