انتصار الإرادة في ذكرى النكبة

انتصار الإرادة في ذكرى النكبة

د. عبدالمعطي زقوت
2012-05-21

جدول عادي أربعة وستون عاما مرت من تاريخنا حاول خلالها الصهاينة أن يجتثوا الشعب الفلسطيني من جذوره وأن ينهوا وجوده ليس فقط من فلسطين بل وحتى من ذاكرة الإنسانية مارسوا كل ما يمكن…

أربعة وستون عاماً مرت من تاريخنا حاول خلالها الصهاينة أن يجتثوا الشعب الفلسطيني من جذوره، وأن ينهوا وجوده ليس فقط من فلسطين بل وحتى من ذاكرة الإنسانية، مارسوا كل ما يمكن وما لا يمكن تخيله ضد هذا الشعب من مجازر وتشريد واغتصاب للأرض وتهويد للمقدسات، وغسيلٍ للأدمغة ومحو للهوية والثقافة، وإحاكةٍ للمؤامرات وتشويهٍ للصورة، وتكريسٍ لحالة الفرقة والانقسام فلسطينياً وعربياً، وفرضٍ للتجويع والحصار ومحاربة الفلسطيني في كل مناحي الحياة، وسلبه كافة حقوقه التي أقرتها الأعراف والمواثيق الدولية.

أربعة وستون عاماً مرت استخف الكيان الصهيوني في جزء منها بالأمة العربية والإسلامية وحكامها، وصالت قواته وجالت براً وبحراً وجواً، وفرض استراتيجياته العسكرية ونظرياته القتالية والأمنية: الردع.. الرعب، الضربة الاستباقية، العمق الصهيوني الآمن، نقل المعركة إلى الأرض العربية وغيرها من المصطلحات التي جعلت من جيشه في نظر بعض الحكام المهزومين جيشاً أسطورياً لا يقهر، بل وسارع البعض للتصالح مع هذا الكيان والاعتراف به وبحقه في اغتصاب الأرض والمقدسات.

لقد ظل منحنى هذه الدولة العبرية في صعود توقف في حرب أكتوبر المجيدة عام 1973م يوم أن لقن جنود مصر وسوريا الصهاينة درساً قاسياً جعلهم يعيدون حساباتهم ويقيّمون استراتيجياتهم، ولكن هذا التوقف للأسف كان مؤقتاً إذ عاد هذا المنحنى إلى الصعود سريعاً، وانتقلت قوات الصهاينة لتحتل أراضي عربية جديدة في لبنان عام 1982م بل وليدخلوا عاصمتها بيروت ويفرضوا على المقاومة الفلسطينية أن تخرج منها إلى هجرة جديدة، ظن بعدها الكيان الصهيوني أنه قد حقق أهدافه الاستراتيجية، وأنه قد أصبح آمناً لسنوات طويلة قادمة، وأن الشعب الفلسطيني والشعوب العربية قد استكانت وأصابها العجز والخور وهي في طريقها لرفع الراية البيضاء والاعتراف بالكيان والتعايش معه وقبول وجوده كدولة معترف بها في قلب المنطقة العربية .

ولكن لم يخطر ببال الصهاينة أن إرادة الله قاهرة وغلاّبة وأن الظلم لا يدوم، وأن الأمة حية بدينها وثقافتها ومقومات وجودها، وأن الشعب الفلسطيني الذي عانى طويلاً من هذا الظلم سوف ينفجر قريباً من داخل فلسطين في وجه الصهاينة وجيوشهم المغرورة، وسوف يضع حداً لمنحنى صعودهم حتى زوالهم بإذن الله. فكانت الانتفاضة الأولى ثم الثانية وواجه الشعب الفلسطيني بدمه ولحمه وعظمه أعتى ترسانة عسكرية في المنطقة، وجعل من الجندي الصهيوني الأسطورة أضحوكة أمام العالم، وهو يجري كالأبله المعتوه أمام حجارة أطفال فلسطين، بل وحطم شعبنا كل النظريات الأمنية التي بناها الصهاينة على جماجم العرب والفلسطينيين خلال عشرات من سني النكبة والضياع.

لقد امتلك الشعب الفلسطيني إرادته واستجمع وحدته وقواه ونقل المعركة خلال الانتفاضة إلى قلب الكيان الصهيوني، وهز أركانه وأفقده أمنه وصوابه، وراحت قيادات الصهاينة تضرب في كل مكان بشكل هستيري وعشوائي، وتتآمر لتقسيم الشعب الفلسطيني وتفتيت وحدته من خلال عقد اتفاقات سلام خارج السياق مع بعض الأطراف، ولكن كل محاولاتهم ومؤامراتهم باءت بالفشل، واستمر منحى المقاومة والصمود والتمسك بالثوابت في صعود دائم حتى يومنا هذا وإلى أن يزول هذا الكيان قريباً بإذن الله.

وفي سياق هذا الصعود كان هروب الصهاينة من لبنان عام 2000م، وهزيمتهم هناك عام 2006، وهروبهم من قطاع غزة عام 2005م، وهزيمتهم على بواباته في معركة الفرقان والصمود التاريخي العظيم الذي أعادنا إلى الذاكرة يوم أن حاصر نابليون عكا قائلاً قولته المشهورة: تحت أسوارك تحطمت آمالي يا عكا.

وفي سياق هذا الصعود للمقاومة جاء قبل أيام الانتصار الكبير لإرادة الأسرى الفلسطينيين الذين خاضوا إضراباً مفتوحاً عن الطعام لأكثر من خمسة وعشرين يوماً، حاول خلالها العدو الصهيوني أن يكسر هذا الإضراب بكل الوسائل من ترغيب وترهيب وعزل ونقل للأسرى وقياداتهم ومحاولات تفتيت صفهم، ولكنه في النهاية وتحت الضغط المتواصل فلسطينياً وعربياً ودولياً اضطر إلى جمع هذه القيادات الأسيرة في سجن عسقلان والتفاوض معها، وبتأثير إيجابي واضح ومشكور لجهاز مخابرات مصر ثورة الخامس والعشرين من يناير.

لقد تمكن هؤلاء الأسرى الأبطال بحمد الله من فرض إرادتهم وتحقيق أهدافهم، وأخرجوا إخوانهم من زنازين العزل التي مكثوا فيها فرادى لأكثر من إحدى عشرة سنة، وأجبروا هذا الكيان أن يوافق على غالبية مطالب أسرانا البواسل، بل ولأول مرة يكون الاتفاق مكتوباً في وثيقة شهدت عليها مصر الثورة.

لقد كانت معركة بطولية تجلت فيها معية الله وتأييده لهؤلاء الأسرى العظماء، وتجلت فيها وحدة الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، والتفاف كل الفصائل حول الأسرى والعمل معاً والتعاون الكامل على كل المستويات لدعمهم، والضغط لتحقيق مطالبهم العادلة حتى تم ذلك بحمد الله.

إننا كفلسطينيين يجب أن نبني على هذه التجربة الوحدوية العظيمة وأن ننتقل سريعاً لتنفيذ كافة بنود اتفاق المصالحة، بعيداً عن أي خطوات أحادية من قبيل إعادة تشكيل حكومة سلام فياض في رام الله. وأن نجعل المصالحة واقعاً معاشاً على الأرض داخل فلسطين وخارجها، وفي سياق برنامج وطني شامل نتفق عليه، نعزز من خلاله خيار المقاومة والثبات والتمسك بالحقوق، فإرادة الكيان الصهيوني في ظل ثورات الربيع العربي أعجز من أن تقف أمام إرادة شعبنا وأمتنا في الحرية والنصر والاستقلال. ولنجعل من ذكرى نكبتنا حافزاً دائماً لإرادة نصرنا وصمودنا وحريتنا.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026