في ظلال ذكرى النكبة

في ظلال ذكرى النكبة

النائب د. محمد شهاب
2012-05-21

جدول عادي بداية لابد أن نتذكر نكبة إسقاط الخلافة التركية الإسلامية رسميا عام م حيث تكالب عليها الحلفاء في حرب عالمية كبرى وكان انضمام زعماء العرب يومها للحلفاء طعنة نجلاء غادرة…

• بداية؛ لابد أن نتذكر نكبة إسقاط الخلافة التركية الإسلامية رسمياً عام 1924م، حيث تكالب عليها الحلفاء في حرب عالمية كبرى، وكان انضمام زعماء العرب يومها للحلفاء؛ طعنة نجلاء غادرة للخلافة، وخيانة كبرى لمبادئ الدين ومعاني المروءة والشرف، ولا يزال الجاهلون يطلقون عليها الثورة العربية الكبرى زوراً، إنها النكبة في الدين أسُّ النكبات جميعاً، وأجزم بأن كل ما تلاها من نكبات الأمة العربية والإسلامية متفرع عنها.

• وأذكر هنا أن أول ثمارها المرة بعد أن وضعت الحرب أوزارها، حيث نكث الحلفاء بوعودهم، وتقاسموا العالم العربي فيما بينهم فيما عرف باتفاقية سايكس بيكو في أسوأ احتلالات عسكرية، وكانت نكبات مريرة عديدة، أهلكت الحرث والنسل في كل بلاد العروبة، وهكذا كان جزاء زعماء العرب من جنس عملهم، وحسابهم عند ربهم أعظم، حيث أوردوا شعوبهم المهالك.

• واحتلت بريطانيا فلسطين وفي خبث وخداع مقصود أسمته انتداباً صادقت عليه عصبة الأمم، وأثبت التاريخ أنه أسوأ احتلال قد وقع، حيث كان وعد بلفور مبكراً جداً عام 1917م، وكانت سياستها وخططها محكمة غاية الإحكام في تفريغ فلسطين من الشعب الفلسطيني ومنحه لليهود لإقامة دولتهم القومية، وكان مكر الليل والنهار لإضعاف الشعب الفلسطيني ومخادعته وصولاً إلى التخلص منه كلياً، من خلال القتل والمجازر وإجباره على الفرار، وبشكل موازٍ كانت سياستهم وخططهم جلب اليهود وحمايتهم وتقويتهم وتمكينهم بكل وسيلة وأحدث سلاح، حتى جاءت لحظة الثقة بقدرة يهود وتفوقهم الكبير لحسم أمرهم وإعلان دولتهم وإدارة شئونه؛ قررت بريطانيا إنهاء انتدابها وسحبت جيشها، وعلى الفور أعلن زعيم يهود "بن جوريون" دولته، ليفزع العرب فزعة كريمة، لكن ضعفهم وخيانة بعض زعمائهم صنعت نكبة جديدة هي نكبة فلسطين عام 1948م.

• بعدها رفع زعماء العرب الجدد رايات شتى طريقاً لتحرير فلسطين، وأثبت التاريخ أنهم كانوا بقضية فلسطين متاجرين، ولشعوبهم مخادعين، وأنهم قائمون على الحفاظ على عروشهم فقط، وكانت نكبة عام 1967م أشد وأنكى، هزيمة مروعة، دمّرت عدّة جيوش عربية، ومكّنت من استكمال اغتصاب الأرض الفلسطينية واحتلال أجزاء من أراضي دول عربية أخرى، ورمت بالمنطقة عشرات السنين إلى الوراء على طريق الضعف والتخلّف والتشرذم.. والعجيب أن المسئولين عنها أسموها "نكسة"، واعتبروها انتصاراً لأن العدو كان هدفه إسقاط أنظمتهم، ولم تسقط، ورفعوا شعار "إزالة آثار العدوان" وجعلوه هدفهم الأوحد، تهويناً من شأنها وشأن مسؤوليتهم عنها.

• وامتصاصاً لغضبة الشعوب؛ نفَّسوا لأعمال المقاومة، كما أعلنوا في مؤتمر القمة بالخرطوم بعد شهرين في 29/8/1967م مؤتمر "اللاءات الثلاثة" لا صلح لا اعتراف لا تفاوض، ولكنهم ساروا في الوقت نفسه على درب التسليم بنتائج نكبة 1948م، كما بدأوا بالاتصالات الفعلية الأولى لخيار التسوية "الصلح"، وشاء ربك أن يختم زعيم العروبة حياته بقبول مشروع روجرز، وأن تفتح من بعده الأبواب أمام اتفاق كامب ديفيد وسياسات التعايش والتطبيع مع العدو وتغلغل الهيمنة الأمريكية إلى أعماق آلية صناعة القرار الوطني والعربي، ويكفي أن أذكر بأن معاهدة كامب ديفيد قد أتاحت تخريج ثلاثة آلاف طالب دكتوراه مصري بمنح دراسية من جمعيات صهيونية أمريكية تركتهم يؤمنون بالسلام والتطبيع، وتحقق لليهود اختراق ثقافي كبير، فهؤلاء الخريجون يشكلون جيشاً من الأفاعي الأشد خطورة تنفث سمومها في عقول شباب العروبة والإسلام.

• لم يكن أحد من قادة نكبة 1967م وما بعدها بقليل، يجرؤ أن يصرح علناً بالتنكر لمشروعية المقاومة أو أن يقف ضدها أو التفاوض مع العدو أو التنازل عن الحقوق والثوابت، وإن كانوا يؤمنون ويمارسون في الخفاء عكس ذلك، ولكن ما خطَّه أولئكّ القادة من سياسة غسيل الدماغ الجماعي للأمة؛ أفرزت أخطر مظاهر النكبة؛ فقد أغفلوا نكبة 1948م ونتائجها، وأسدلوا عليها الستار، وأصمَّوا آذان الأمة بمصطلح "السلام العادل"، على أساس ما أقرته "الشرعية الدولية"، واعتبروا ذلك قمة "الواقعية" و"العقلانية".

• وعلى ذات الخطى الهابطة؛ وصل الحال ببعضهم؛ أن يستبيح إدانة المقاومة، ويعتبرها "تهوّراً وعبثية بل تخريباً وإرهاباً وانتحاراً"، بل يستميت ويتعاون مع العدو لمقاومة المقاومة والعمل على استئصالها، ويعتبر ذلك "موقفاً حضارياً"، و "حفاظاً على المشروع الوطني، وتحقيقاً للحلم الفلسطيني".

• إن من أسوأ مظاهر النكبة المعاصرة؛ أن يصل الحال ببعضهم القبول بالتخلّي الرسمي عن أربعة أخماس فلسطين، والاعتراف للعدو الغاصب بملكيتها ومشروعية دولته عليها، مقابل دويلة مسخ "خياراً استراتيجياً" وحيداً، ويفتدون حمايـة "خيار السـلام الاسـتراتيجي" الأوحد بكل ما يملكون!! ويتخذون من التفاوض لأجل الصلح والتطبيع مع العدو هدفاً، ومُدخلاً للتقدّم والرخاء والبقاء في السلطة، فهم يسعون إليه سعياً حثيثاً.

• إن من أسوأ مظاهر النكبة المعاصرة؛ أن يصل الحال ببعضهم بأن يوظف هؤلاء فريقاً ممّن كانوا في العمل الفدائي ويدربونهم على يد العدو وبسلاحه لضرب من قام يُمارس المقاومة المشروعة، بل لحماية أمن "العدوّ" و"حراسته"، بل يوظفون طاقات الشعب في خدمة ترسيخ وجود الغاصبين لأرض فلسطين، وتثبيت قدرتهم على الهيمنة الاقتصادية.

• إن من أسوأ مظاهر النكبة المعاصرة؛ أن يصل الحال ببعضهم أن يقبل وجود المستوطنات الكبرى مثل معاليه أدوميم وآرييل وجفعات زئيف في نفوذ الدولة المسخ على الأراضي المحتلة عام 1967، وأن يستعد لمنح مستوطنيها اليهود الجنسية الفلسطينية، وأن يقتصر طلبه على إزالة البؤر الاستيطانية العشوائية "غير المرخصة".

• أمرهم والله عجيب؛ كانوا يطالبون بإزالة المستوطنات، ثم أصبحوا يطالبون بعدم التوسع الاستيطاني، ثم أمسوا يطالبون بتفكيك البؤر الاستيطانية، ثم ذهبوا يرجون تجميد النشاط الاستيطاني فقط لأشهر معدودة، ليفرج عنه من الثلاجة حين اللزوم.

• ورغم أسفي لاستحضار هذه الصور؛ إلا أنني أمتلئ يقيناً وثقة وبشرى، فهذ الربيع العربي المتأجج، وهذه انتصارات الأسرى رموز المقاومة تتوالى، أبشركم أن المستقبل لخيار التحدي والصمود والمقاومة في هذه الأمة جمعاء، الأمّة الآن تخرج كنوزها، تصنع الفدائيين الأبطال، الذين يسقطون الطواغيت المستبدين، ويقضّون مضاجع الغاصبين وأربابهم وعملائهم، ما بين تل أبيب وواشنطون، الأمة الآن تتجلى وترسم للعالم مشهداً تملؤه طاقات مخلصة ناهضة واعدة، تمتلئ تضحيةً وفداءً وعطاءً بلا حدود، هؤلاء هم أمل الأمة الكبير وصناع المجد القادم بإذن الله، والذي سيطوي ويُنهي عصر الهزائم والنكبات، وما ذلك على الله بعزيز.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026