غزة، الاختبار والتحدي

غزة، الاختبار والتحدي

مهند عبد الكريم العكلوك
2005-09-16

بعد أن جرب الاحتلال الإسرائيلي كل أنواع العمليات العسكرية والأمنية والنفسية وبعد أن استخدم كل أنواع الأسلحة وطبق كل ما اكتشف من عقوبات فردية وجماعية اقتصادية وسياسية واجتماعية…

14/9/2005

          بعد أن جرب الاحتلال الإسرائيلي كل أنواع العمليات، العسكرية والأمنية والنفسية، وبعد أن استخدم كل أنواع الأسلحة، وطبّق كل ما اكتُشف من عقوبات فردية وجماعية، اقتصادية وسياسية واجتماعية، وبعد أن انتهك كل المحرمات والحقوق، وجد نفسه أكثر عجزاً وضعفاً من أن يسيطر على الشعب الفلسطيني، وأدرك أنه مفارق لا محالة، فقرّر مُضطراً مُجبراً الاندحار عن غزة، نادماً بشدة على بقائه فيها طيلة 38 عاماً، في خطوة اصطلح على تسميتها بفك الارتباط، أي الطلاق بالمعنى الشائع.

          لقد أخلى الاحتلال قطاع غزة تاركاً وراءه معابر وأجواء ومياه إقليمية مغلقة، وأرض فلسطينية مقسّمة جغرافياً، لكن ذات الشعب العصي على السيطرة والإذعان والاحتلال والتقسيم، لن يبقى حبيس حدودٍ مغلقة، وسيرفض الانفصال الجغرافي والمصيري ما بين غزة والضفة والقدس، وبالتالي ستستمر المعركة حتى يدرك المحتل مرةً أخرى بعد ندمٍ آخر، ولو بعد حين، أن لا خلاص ولا أمن ولا سلام له إلا بالانسحاب الشامل والكامل من كل الأرض الفلسطينية، حتى يقرر الشعب الفلسطيني مصيره بحرية وسيادة مطلقة، ويقيم دولته المستقلة وعاصمتها وجوهرتها وقلبها القدس الشريف.

          غزة اليوم تُشكل مواجهةً ضارية وتحدٍّ كبير، لكنه اليوم ليس موجهاً فقط نحو الاحتلال المندحر عن جزء عزيز من الأرض، بل هو تحد للإنسان الفلسطيني، وللإرادة والسمعة الفلسطينية، فغزة الآن ليست كغزة بالأمس، وهي أول الأرض المحررة، وأول أشكال السيادة والحكم الفلسطيني على الشعب والأرض.

بصراحة، لقد زالت الآن، إلى حدّ كبير عن غزة، شماعة الاحتلال الإسرائيلي، التي كنّا كثيراً ما يسهل علينا تعليق أخطائنا وخطايانا عليها، فعلى الأرض، من بيت حانون شمالاً إلى رفح جنوباً، لا وجود للاحتلال بشكله المادي المباشر، وبالتالي لم يعد هناك غزة مقسمة إلى ثلاثة أجزاء بحواجز إحتلالية، فلم يعد هناك حواجز مثل "أبو هولي" و"أبو العجين" و"التفاح" و"المطاحن" و"البحر"، ولم يعد هناك مستوطنات جاثمة على مساحة 40% من قطاع غزة؛ ومن الخارج، العالم كله، بعربه وعجمه، بشرقه وغربه، سيضعنا تحت الرقابة، وسيتابع تصرفاتنا وأساليب بناء مؤسسات كياننا السياسي المُتاح، وطرق حكمنا وإدارتنا لأرضنا وشعبنا، وعلاقاتنا الوطنية ضمن نظام سياسي ديمقراطي، المأمول أن يكون حضاري نظيف.

          أكيد أن المعركة لم تنتهي، بل على العكس لقد بدأت، لكنها بدأت بداية جديدة تختلف فيها قواعد اللعبة، قليلاً أو كثيراً، ودائماً كنّا بحاجة إلى دعم ومساندة وغطاء أصدقائنا في المجتمع الدولي والعالم أثناء مسيرة نضالنا نحو الحرية والتحرر، والعالم سيحكم علينا اليوم، لا من خلال مقاومتنا وتضحياتنا التي آتت أُكُلها، بل من خلال نموذج غزة ونجاحنا في تقديم الأداء الأمثل والمثل الناصع عن حِكمتنا وسدادِنا في إدارة شؤوننا، من خلال سيادة النظام والقانون والمؤسسات والتعددية السياسية، لنثبت للجميع أن الشعب الفلسطيني، الذي قدم آلاف التضحيات على درب الحريّة، الشعب الذي عانى وقاسى ويلات الظلم والقهر الإحتلالي، يستحق الحرية والاستقلال والسيادة، وأن السلطة الوطنية الفلسطينية الشرعية المنتخبة قادرة على حماية هذا الشعب وصون حقوقه وأمنه وممتلكاته، هذا اختبار ليس أمامنا إلا النجاح في اجتيازه، وبامتياز.

          نحن الآن بحاجة إلى دراسة وتقييم تجربتنا النضالية الماضية لنطورها ونعزز من إيجابياتها، ونحدّ من شوائبها وسلبياتها، وربما كان بعضنا بحاجة لصيانة بوصلتهم الوطنية، من الضلال أو الانحراف عن المسار الصحيح نحو الهدف الوطني السامي، إننا في مرحلة جني بعض ثمار نضالنا الطويل، ونجاحنا يكمن في أن نُحسن الجني والقطاف حتى لا تذهب تضحياتنا العظيمة أدراج الرياح، وإننا في مواجهة تحدّ كبير مختلف وجديد على خبرة سنوات نضالنا الطويلة، وعلينا كسلطة وطنية، وشعب، وفصائل وطنية وإسلامية، ومؤسسات المجتمع المدني، أن نتعامل مع التحديات المنبثقة عن إخلاء غزة.

          سلاح المقاومة، هو السلاح المجيد النظيف الذي أجبر الاحتلال على الاندحار والذي يشكل رادعاً له واستمراراً لمسيرة التحرير في الضفة والقدس، هو ذلك السلاح الذي يهدف إلى تحرير الأرض والإنسان، الذي لا يُوجَّه لتصفية حسابات شخصية ثأرية، أو تحقيق أهداف ومصالح فئوية، بل هو السلاح الموجه إلى صدر المُحتل فقط، السلاح المُنضَبط للشرعية، لا سلاح الفوضى والعشائرية والشللية، السلاح الذي توجهه بوصلة وطنية ويسوقه هدف سياسي واضح، السلاح الذي يكون وسيلة للحرية، وليس غاية وهدفاً بحد ذاته، السلاح الذي يرابط على جبهة المعركة وليس الذي ينتشر في الشوارع  والطرقات والأسواق، السلاح الذي يحمي المجتمع وهدوءه واستقراره، ولا يهدد أمنه بملثمين مجهولين أو استعراضات عسكرية لم يعد لها مبرر أو نكهة أو قبول لدى الشارع. هذا هو سلاح المقاومة الذي ننحني له إجلالاً وإكباراً وعرفاناً بالجميل، فلا انتشار إلا لسلاح السلطة الوطنية، القائم على حماية أمن وممتلكات وأرواح الناس، وفرض النظام والقانون لينعم به الجميع دون تفرقة، ولا جيش إلا الأمن الوطني والشرطة الفلسطينية، ولا محاكم إلا ساحات القضاء الرسمي التي ينبغي أن يتساوى الجميع أمام عدالتها، والتي يجب إنفاذ أحكامها على الجميع دون استثناء.

          أمامنا الانتخابات التشريعية في شهر كانون الثاني/يناير المقبل، فليستعد الجميع لها ولإنجاحها، ولتكن انتخابات حرة ديمقراطية نزيهة وشفافة، ولنتنافس للفوز بثقة الناس بأمانة وشرف، وأخلاق رفاق درب وسلاح، فكلنا فرسان هذا الوطن، وكلنا منه وإليه وفي سبيل عزته وكرامته وتحريره، وكلنا شركاء في النضال والتحرير، والفائزون في هذه الانتخابات هم الذين سيحصلون على تفويض الشعب بجدارة، وهم الذين سيشكلون حكومة السلطة، ويؤول إليهم الحكم وصلاحياته، وتُلقى على عاتقهم المسؤولية الوطنية الثقيلة، فكرسي الحكم يختلف بمسؤولياته وهمومه وأعبائه عن كرسي المعارضة، وأعان الله الفائز قبل الخاسر.

          مجتمعنا بحاجة لإصلاح وتوجيه، فهو يخرج، في غزة، للتو من احتلال جائر استمر 38 عاماً، تعمد خلالها الإساءة إلى المجتمع الفلسطيني، وتهديم بُناه وتمزيق روابطه، وكذلك اقتصادنا بحاجة لنضال من أجل تحريره، من التبعية والارتباط باقتصاد المُحتل، إلى الشراكة والتعاون مع الدول الشقيقة والصديقة، وهذا يحتاج إلى نضال طويل، وعمل شاق، لتحرير معابرنا ومطارنا و مينائنا من السيطرة الاستعمارية الإسرائيلية.

          غزة هي النموذج المنتظر إثبات جدواه ونجاحه، للقاصي والداني، وهي القاعدة والمُرتكز الذي يجب أن ننطلق منه لأخذ المبادرة من جديد، وصياغة أجندتنا الوطنية والتخطيط لمستقبلنا، ومتابعة الكفاح في ساحات المجتمع الدولي، وعلى الأرض من أجل نيل كامل حقوقنا الوطنية، وإقامة دولتنا المستقلة عل كامل التراب الفلسطيني، والقدس عاصمتها، وحل قضية اللاجئين بالعودة وفق قرارات الشرعية الدولية، فلنحصّن هذه القاعدة من الفِتَن والفساد، ولنضرب المثل الرائع، ولنتّحد، فإن يد الله مع الجماعة.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026