من المعتقل أحدثكم !

من المعتقل أحدثكم !

د. كمال غنيم
2012-05-05

جدول عادي من هناك جئت إليكم من برزخ مفعم بالعذاب والنعيم يحمل في حناياه متناقضات المرحلة التي نعيش السجن له وجهان أما الوجه الأول فلا يمكن أن نغفل قبحه وبشاعته مهما نظرنا إلى الوجه…

من هناك جئت إليكم...

من برزخ مفعم بالعذاب والنعيم، يحمل في حناياه متناقضات المرحلة التي نعيش.

السجن له وجهان...

أما الوجه الأول فلا يمكن أن نغفل قبحه وبشاعته مهما نظرنا إلى الوجه الثاني...

المشهد الأول مفعم بالزنازين والتعذيب والمحاكم وفترات الانتظار القاسية الطويلة، والقضبان والأسلاك الشائكة، وغابة من البنادق والجنود، ورحلة من الإهانات الطويلة.. صف من الرجال الرجال يخضعون لثلاث وجبات يومية من (الإسفراه)، وما أدراك ما (الإسفراه)؟! إنها عملية إحصاء المساجين التي تتكرر ثلاث مرات يوميا، يُنادى بها الرجال بأرقامهم... (51099) كان رقمي الذي أذكره الآن على الرغم من أنني لم أحرص يوما على حفظه أو تسجيله!.

يحيطونك بغابة بنادق، وبندقية مسيّل دموع طويلة عريضة تكفي لإدماع مدينة بأسرها... لا يفصلنا عنها إلا سلك شائك ملتف، يمنعك من الوصول إليهم، ويسمح للرصاص والقنابل بالدخول دون استئذان ودون ذرّة ممانعة، يستدير الشاب عند سماع رقمه، وتمر أقسى لحظات الاعتقال بطيئة قاسية، تحت مبررات الواقعية والرضوخ لها...

ومازلت أذكر يوما من أيام التمرد، كان اليهود قد أمروا بتغيير شاويش المردوان، وقررنا الرفض، وعند العدد المسائي تمردنا على أمر التغيير على الرغم من جاهزيتنا للعدد. وكان الأمر بعد انتهاء العدد: "ابقوا جالسين!"، ومعنى ذلك انتهاك المردوان الكبير بخيامه العشرة ومعتقليه الثلاثمائة على الأقل، والسطو على أوراقهم بعد إخراجهم إلى محشر يقع بين أسلاك مردوانين كبيرين...

"الله أكبر" كانت شارة البدء، فهرب الضابط من مدخل المردوان وجنوده معه، أغلقوا الباب، وأمطرونا بالغاز المسيّل للدموع والعيارات المطاطية...، هو المسيّل للدموع لمن لا يعرفه: سحابة زرقاء، قد يسهل التخلص من سطوتها في مكان واسع، أما في مساحة المردوان الضيقة فلا مهرب من الغاز إلا إلى الغاز في كل زاوية، فالسلك الشائك يقف بالمرصاد...

في حادثة مشابهة فرضوا منع التجول على المساجين كما فرضوه علينا، تمرد الشباب، فلم يرحموا أحدا على الرغم من أن المعتقلين محبوسون عنهم، لا يشكلون خطرا عليهم، لم يكتفوا بالغاز ولا العيارات المطاطية قتلوا شهيدين وأصابوا العشرات.

وماذا يمتلك المعتقلون من أدوات مقاومة لهذا الصلف الصهيوني المتعجرف... إنهم لا يمتلكون إلا الامتناع عن الحياة إن أمكنهم ذلك، مبتدئين بالامتناع عن الطعام في ملحمة بطولية هي (حرب الأمعاء الخاوية)... ففي بطولة منقطعة النظير يركل الرجال أواني الطعام ويتركونها على المدخل، مكتفين بالصوم والانتظار. وقد كان لي شرف الالتحاق بصفوف إحدى هذه المعارك عام 1990...

تمر الساعات بطيئة، والأجسام الشامخة الوردية تذبل من الجوع والعطش والإرهاق، كنا نفضل الصوم، سحورٌ من حبات ملح وجرعات ماء، وفطورٌ على حبات ملح وجرعات ماء، ودوار يصيب المرء لو فكر في القيام، وجفاف في الحلق والأمعاء... وإرهاق بدني شامل، ومكابرة تنتشي بوعود تحسين الأحوال، ولعل الأصعب في تلك الحرب هي لحظة العودة بعد انتظار جزئي لطقوس الشراب والطعام. تجرحك اللقمة الطرية وهي تسلك طريقا نسيته الأمعاء، حشرجة وآلام يخفف منها انتصارك الجزئي بقدر ما تخفف عنها مكابرتك وإيمانك وتسليمك لقضاء الله.

لا أريد أن أطيل الوقوف هناك في صحراء الشمس المحرقة وأنتم معي، إنها مشاهد مؤلمة لا يصح أن ننساها، ولكني أريد أن أغيّر أبعاد عدسة المنظار الذي ننظر فيه، لنرى الوجه الآخر لبرزخ السجون والمعتقلات، إننا نرى من خلاله المحنة تتحول إلى منحة في لغة تفهمها الروح السامية، التي تقول: مارسوا ما شئتم من طقوس العذاب على الجسد، لكنكم لن تستطيعوا قهر الروح... حيث يتحول السجن إلى حياة أسرية فريدة من نوعها تمتهن الفرح المغمس بالعناد، وإذ تتحول ساعاتنا اليومية خارج إطار (الإسفراه) إلى ما يشبه الدولة المستقلة، ببرامجها العلمية والإعلامية والوزارية المختلفة، يسكن التنظيم مفرداتها الصغيرة من تنسيق دور الحمام والمياه الساخنة الشحيحة إلى تنسيق القضايا الكبيرة في داخل السجن وخارجه. والعلم قوام الساعات المنظّمة: محاضرات وأمسيات ترفيهية...، قرآن وسياسة وتاريخ وعلوم وأدب وأمن، إنها المشكِّلات الجديدة التي ينفق الدعاة عليها الكثير في الحياة العادية عبر ما يُسمى بالمخيمات الصيفية والدورات التدريبية واللقاءات الدورية...

هنا تتبلور الأشياء أكثر، ويصنع "نوح" سفينته التي يَعِدُ الناس بالنجاة فيها كما صوّرت ذلك في إحدى قصائدي، وسفينة نوح تعني الإعداد الإيماني الشامل وسط سخرية قوم نوح أو جماعة شارون!

هناك تنظم المهرجانات والمؤتمرات والندوات ويعرف الفن الإسلامي ميدانا خصبا للعطاء نشيدا ومسرحا وقصيدا...

هناك أصدرنا مجلات وصحفًا تدور على المعتقلين في المردوانات؛ بل الأقسام. حيث تتكفل هيئة البريد بإرسالها ضمن طريقة أطفال الحجارة، بقذف الرسائل مع أحجار عجينية ثقيلة وغير مؤذية...,

 أقسم أن أجمل الأعياد التي شهدتها في حياتي كانت في المعتقل! روح المكابرة، والترابط الأخوي الحميم، والمهرجان الفني المنافس لكل المهرجانات خارج المعتقل، تُعد له لجنة فنية مختصة قبل شهر أو شهرين، فيبدأ باستعراض داخل الخيمة المرصعة آنذاك بالبطاطين والحرامات الملونة، والمحولة من فراش وسرر خشبية ممددة إلى مقاعد فخمة مزينة بالأغطية الملونة...

وفي هذه الجنة المحاطة بغابة البنادق والدبابات حفظ العشرات كتاب الله، وتكونت جامعة يوسف عليه السلام، وتخرج الرجال...

 وهناك في مساحة الألم الضيقة عرفت الانطلاق... كانت معظم قصائدي التي كتبتها تحلق كالفراشات في عالم ربيعي جميل بعيد عن صحراء الألم وجفاف الحلق ونشاف الريق...

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026