إنها حضارة تتراجع ... لافتقادها قيم العدل والإنصاف

إنها حضارة تتراجع ... لافتقادها قيم العدل والإنصاف

المستشار محمد الهضيبى
2003-09-18

إنها حضارة تتراجع بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وبعد يمر هذه الأيام عامان على أحداث سبتمبر التى هزت الدنيا وأطلقت الغضب الأمريكى على…

إنها حضارة تتراجع

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ... وبعد .

يمر هذه الأيام عامان على أحداث 11 سبتمبر التى هزت الدنيا ، وأطلقت الغضب الأمريكى على عالمنا العربى والإسلامى ، الذى اتخذ شكل حرب دموية وإعلامية وصفها الرئيس الأمريكى فى وقتها بأنها "حرب صليبية جديدة" فذكرنا بتاريخ مرير ظن كثير من الناس أن البشرية قد تجاوزته ، لكنها سنة الله التى لا تتخلف فى الصراع ، كما قال تعالى ( وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا )(البقرة من الآية217) ، وحكمة التاريخ التى لا تكذب فى أننا أمة مستهدفة من أعدائها ، فى رباط إلى يوم القيامة ، وإن المحنة التى تمر بها هذه الأمة ستمضى إن شاء الله وتنتهى وهى مازالت باقية إلى ما شاء الله ، لتكون بعد حين ذكرى للدرس والعبرة تضاف إلى ذكريات حروب صليبية مضت واستمرت زهاء مائتى عام ، وذكريات مآس عاشها المسلمون قديما فى الأندلس ، حين أجبروا على تغيير دينهم أو الموت ، وعقدت لهم محاكم التفتيش ، وقوضت أركان حضارتهم
ووجودهم الذى استمر ثمانية قرون من الزمان ، وذكرى الهجوم الغربى المتتالى على رحى الإسلام فى دولة الخلافة العثمانية ، ذكريات أكثر دموية وصلفا ما تزال فى أذهاننا من  الاستعمار الغربى لبلادنا الذى عطل مسيرتها الحضارية ، وردها إلى الوراء قهرا وتخلفا واستنزافا لثرواتها وعقول أبنائها .

لقد استنكرنا أحداث 11 سبتمبر فى وقتها من واقع فهمنا وإيماننا والتزامنا بإسلامنا الذى أكد على قيم العدل والإنصاف واحترام حق كافة الناس فى الحياة والأمن والحرية وصدق الله العظيم القائل ( مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً )(المائدة من الآية32) ، كما استنكرها العقلاء وأصحاب القيم فى شتى أرجاء العالم ، وصدق تخوفنا من أنها سوف تستغل مبررا لضرب المسلمين وشن الحروب المدمرة عليهم ، وذلك ما حدث منذ اليوم الأول لهذه الأحداث الدامية حين سارعت الآلة الإعلامية الغربية والصهيونية لاتهام المسلمين بالوقوف وراء هذه الأحداث وتنفيذها ، وكان الاتهام جاهزا وسريعا وحاسما ، دون انتظار لتحقيق أو تحقق ، استنفر شكوك المحللين الذين رأى بعضهم أن تلك الأحداث كان لابد أن تقع لتستكمل المخططات الأمريكية والغربية للسيطرة على العالم فى زمن ما بعد الحرب الباردة ، ولتثبت أمريكا للدنيا أنها القطب الأوحد الذى لا يرى إلا نفسه ، ولا يقبل مناوئا له ولا شريكا ، بعد أن رفع زعماؤها شعار "من ليس معنا فهو ضدنا" بكل ما يمثله من عنصرية واستكبار ، وجاء الانتقام  الأمريكى مريعا وصاخبا وشديد الكلفة التى دفعها المسلمون وحدهم من دمائهم وثرواتهم واستغلال بلادهم ليؤكد السيد الأمريكى أنه أصبح الزعيم الأوحد للبشرية البائسة .

غير أننا بعد عامين نرى الفشل الأمريكى ذريعا ، فالوجود الأمريكى فى أفغانستان لا يجاوز العاصمة كابول، والمأزق الأمريكى فى العراق لا يحتاج إلى شرح أو تعليق ، وهذا الفشل خطير التبعات والنتائج والدلالات ، إذ أنه يعنى فشل الزعيم الأوحد بعد أن فشل وكلاؤه من قبل فى تنفيذ مخططاته وغاياته ، مما يؤهل للقول بأن الفشل الأمريكى يعنى بداية انتهاء الحقبة الأمريكية التى لن تطول بحساب أعمار الدول وتاريخها .

لقد فشل الوكيل الصهيونى فى مواجهة أصحاب الحق فى فلسطين وبلاد العرب وفشل حكام العرب والمسلمين فى حصار الصحوة الإسلامية وتعطيل مسيرتها ، وهى أخوف ما تخافه أمريكا والغرب ، مما استدعى أن تدخل أمريكا بنفسها حلبة الصراع ، ثم يجئ فشلها وما تعانيه من مآزق دلالة لا تخطئ على إفلاس النموذج الحضارى الغربى الذى تمثله أمريكا فى قيادة البشرية ، وأنه قد آن الأوان أن يتراجع عن الصدارة بعدما ذاقت البشرية منه الويلات والهوان .

وهذا الإفلاس الحضارى الغربى قد تنبأ به فريق من نقدة الحضارة الغربية ومفكريها منذ بدايات القرن العشرين . كما أحس بواكيره وبداياته جماعة من مفكرى الغرب وراسمى سياسته فى أخريات هذا القرن حين انهار النموذج السوفيتى ، وقالوا إنه لابد لبقاء الحضارة من وجود عدو قوى لها ومنافس صلب يستنفد قواها للتطور والبقاء ، فاستمدوا من الذاكرة الغربية نموذج الحضارة الإسلامية لتكون هى العدو ، وقالوا إن الخطر الأخضر الإسلامى قد غدا بديلا عن الخطر الأحمر الشيوعى .

التراجع الحضارى الغربى حتمىّ

لقد بهرت الحضارة الغربية أنظار العالم على امتداد أربعة قرون بمنجزاتها العلمية الخلابة ، وحيويتها التقنية والإدارية العالية ، لكن ذلك كله لم يستطع أن يخفى عن الأنظار عوارها الشديد وفقرها الأصيل فى الجانب الأخلاقى والقيمى ، وهو أهم أسس ودعائم الحضارة وسماتها الحقة ، لقد نهضت الحضارة الغربية على قيم عنصرية أنانية ومادية صرفة قد يصلح بها الغرب نفسه وفق منظوره ورؤاه ، وربما لحقبة من الزمن، لكنها لا تصلح لتكون حضارة بشرية وإنسانية للدنيا كلها ... ولا تملك عناصر ومقومات الاستمرار والتواصل التى روج لها الإعلام الغربى كخصيصة حضارية له مثل احترام حقوق الإنسان وإعلاء مكانة الفرد وحرياته السياسية والاقتصادية والدينية ظلت قيما أنانية يتنعم بها الإنسان الغربى ولكنه لا يرع للآخرين حقا فيها ، وقد جاءت أحداث 11 سبتمبر للتعبير عن ذلك المأزق الحضارى والإفلاس القيمى والعنصرية فى النظرة إلى الإنسان والعالم ، فأهدرت قيم العدالة واحترام القانون فى معاملة من اتهموا بتدبير هذه الأحداث أو دعمها ، وافتقد التحقيق الرسمى الشفافية والوضوح ، وحتى اليوم أخفقت سلطات التحقيق الأمريكية فى تقديم الدلائل القاطعة على  إدانة فرد أو جماعة بعينها ، ورغم ذلك فقد عومل المتهمون فيها معاملة قمعية فجة ، تجاوزت كل حد، ممن ينادون بحقوق الإنسان واحترام كرامته ، ولسوف تظل معتقلات جونتانامو سبة فى جبين الحضارة الغربية التى أقامتها أو رضيت بها أو غضت الطرف عنها ، وإن صور المتهمين يساقون فى أقفاص ضيقة لا تسمح لهم بإقامة ظهورهم ، مكبلين فى الأصفاد والأغلال ، بغير تحقيق أو حقوق سوف تظل طويلا تؤرق ضمير الإنسان حيث كان .. وعقدت فى أمريكا – بلد الحريات الغربية – المحاكمات العسكرية للمشتبه فيهم ، وهى التى طالما استنكرتها فى دول العالم الثالث .. واعتبرتها من دلائل الهمجية والتخلف ، وعانى المسلمون فى أوربا وأمريكا القهر والعنت والتضييق ومصادرة حقهم فى الأمن والحرية فى هذه الفترة ، دون النظر إلى دعاوى الحرية الدينية والشخصية التى طالما تشدق بها الغرب ، وروجت لها دعايته ، حتى نادى بعض المفكرين فى سخرية مرة ، أهلا بأمريكا فى منتدى العالم الثالث .

ونحيت وتلاشت قيم العدالة والحرية فى التعامل الأمريكى مع المسألة العراقية ، من خلال حرب أبيد فيها البشر وأهدرت فيها القيم والحقوق فى الحرية والاستقلال ، ونهبت الثروات ، وقوضت أركان الدولة تحت ستار حجة واهية هى وجود أسلحة للدمار الشامل تهدد العالم الغربى بل العالم كله ، ثم اتضح أن ذلك كله محض كذب وتدليس وغش ، شارك فيه الساسة الكبار وأجهزة إعلامهم التى تدعى الحرية والنزاهة ، وأجريت التحقيقات بعد ذلك فى ما جرى من كذب وتضليل لكنها سوف تنتهى حين تنتهى إلى إقالة بعض المسئولين ، وتوجيه اللوم إلى آخرين ، أما دماء المسلمين وثرواتهم وحرياتهم فمن يعوضهم عنها إن كان يمكن ذلك التعويض ؟ وتحدث العالم بعدها عن المعايير المزدوجة فى النظر إلى السلاح النووى والكيماوى الموهوم فى العراق والترسانة النووية والكيماوية فى الكيان الصهيونى الغاصب التى لا يتحدث عنها أحد .. أما السبب فى هذا الازدواج المزرى فمعروف ، إذ أن الكيان الصهيونى نموذج غربى ووكيل استعمارى ، يجل عن النقد ويترفع عن الاتهام !!

ولينعم الإنسان الغربى بالرفاهية على حساب البترول العربى والثروة الإسلامية وليأمن أطفالهم فى فرشهم الوثيرة ، أما أطفال العراق وأفغانستان وفلسطين فجريرتهم أنهم خارق سباق الحضارة الغربية الأنانية والعنصرية .

ولقد بدا لكل ذى عينين منذ زمن بعيد أن حضارة الغرب تسعى لرفاهية أهلها دون غيرهم ، بل إن أمريكا نفسها قامت على أنقاض وجود الهنود الحمر الذين أبادهم المهاجرون الغربيون دون رحمة ، وإلى أمريكا نفسها أقتيد آلاف الأفارقة من بلادهم قسرا مكبلين فى أغلالهم ليكونوا عبيدا ، أما فرنسا وإنجلترا وإيطاليا وغيرها من منظومة الحضارة الغربية فجرائمهم الاستعمارية ضد بلادنا لا تنسى ، وهل يمكن أن ننسى مليونى شهيد فى الجزائر ، وجرائم الاستعمار الإيطالى فى ليبيا والإنجليزى فى مصر والهند ؟ وغير ذلك كثير .

وسمحت الحضارة الغربية التى تطنطن بحق الشعوب فى تقرير مصيرها بزرع الكيان الصهيونى فى قلب عالمنا العربى والإسلامى ، على حساب شعب ووطن ، وباركوا الأنظمة القمعية فى عالمنا ، وأطالوا فى إعمارها بالدعم والتأييد وغض الطرف والجرائم ضد حقوق الإنسان ، مادامت تضمن لهم حصار الصحوة الإسلامية المتنامية التى تخشاها أوربا ، وتعدها عدوا لها .

أما فيما يتصل بالجانب المادى فى الحضارة الغربية فهو الآخر مهدد فلا قيم تضبطه أو تضمن حسن مساره ، ومن ثم كان شيوع العداء لأمريكا والغرب فى أنحاء واسعة من العالم كنذير خطر ينبغى أن يؤخذ فى الاعتبار ، إن كثيرا من شعوبنا يتساءل عن الدور الذى قامت به أوربا فى استنزاف مواردنا ، ونهب ثرواتنا طوال عقود من الاستعمار الغربى ، وكيف فرضت علينا أجواء التخلف العلمى والتقنى ومازالت تسعى إلى إلزامنا باتفاقيات تجعل اقتصاد بلادنا تابعا لها ، وخادما لأغراضها ، وتجعل عالمنا العربى والإسلامى سوقا كبيرا لمنتجات الغرب ، يستهلك ولا ينتج .

إن ما نراه من مظاهر الحضارة الغربية الباذخة لا يعنى قوتها ، ولا يعنى قدرتها على الاستمرار والصمود ، وإن العصا الغليظة التى تتكئ عليها وتخيف بها العالم تتآكل فى إصرار بفعل مظالمها الفادحة .. لكن ذلك مرهون بوجود البديل الحضارى الذى تتشوق إليه البشرية ، والذى يوفر لها الأمن ويوازى بين مطامحها المادية وتطلعاتها الروحية ، ويعرف للإنسان قيمته حيثما كان بعيدا عن العنصرية والتمييز ، ويعلى قيم الأخلاق وثبوتها ، وذلك لا يتحقق إلا فى الإسلام ، دين الله الحاكم للبشرية ، ورسالته النهائية لها ، وليس ذلك إدعاء بغير دليل ، فإن فى تاريخ حضارتنا ما يؤكد ذلك كله ويبرهن عليه بألف دليل .

ومن هنا فإن نهوض البديل الإسلامى رهن بحمل أبنائه له ، وإيمانهم به ، وتقديمه للعالم ممارسة وفعلا وواقعا وعملا ، وهذا دور وواجب الدعاة وصمودهم على كل صعيد أمام المظالم والعدوان ، فى مرحلة لابد منها لتمحيص استحقاقهم لحمل حضارة الإسلام إلى العالمين ، وإننا لندعو مفكرينا وعلماءنا إلى استشراف المهمة الملقاة على عاتقهم ، وسوف يحاسبهم الله عليها ، أن يردموا الفجوة  المادية والهوة العلمية والتقنية ، وليس ذلك بمستطاع إن لم تدعمهم توجهات السياسة وقوى الاقتصاد حين تتحرر من الخوف إلا من الله ، وتثق فى منطلقات دينها وأهداف عقيدتها ... وأمام الأبصار .. وفى أعماق القلوب .. وفى الأذهان يتجلى قول الحق تبارك وتعالى ( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ )(الرعد من الآية17)

( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)(يوسف من الآية21)

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026