إشكاليات مزعجة ومحاذير مقلقة تحلق في الأفق الفلسطيني بين يدي الانسحاب الإسرائيلي الجاري وتنذر بعواقب غير محمودة على المستوى الداخلي أولى تلك المحاذير تتعلق بأداء السلطة حيال…
إشكاليات مزعجة ومحاذير مقلقة تحلق في الأفق الفلسطيني بين يدي الانسحاب الإسرائيلي الجاري، وتنذر بعواقب غير محمودة على المستوى الداخلي.
أولى تلك المحاذير تتعلق بأداء السلطة حيال قضية "وحدانية السلطة"، وغمزها من قناة سلاح المقاومة عقب الانسحاب. فلا ريب أن استحضار هذه الاسطوانة "المشروخة"، وتصاعد بعض النبرات المرفوضة التي تقطع بانتفاء الحاجة للسلاح مستقبلا، تعكس أداء سلطويا مرتبكا في إطار تحليل وتقييم نتائج الانسحاب الراهن، وتنافي الاحتياجات الوطنية الموضوعية في التواصل مع شطر الوطن الآخر، جغرافيا وكفاحيا، فضلا عن الوقائع الميدانية التي تحرم غزة من موجبات سيادتها وحريتها، برا وبحرا وجوا، وتحشر أهلها في سجن كبير، ما قد يهدد جهود الوفاق الداخلي، ويدفع بالأمور إلى التأزم من جديد.
المحذور الثاني يتركز حول اللجنة المنبثقة عن لجنة المتابعة للقوى الوطنية والإسلامية، الموكلة بالإشراف على صيغ التعاطي الرسمي مع قضايا الانسحاب. فالواضح أن هذه اللجنة لم تُشكَّل إلا إرضاء لحماس، والتفافا على إلحاحاتها وتحذيراتها، ولم يجر تشكيلها وفقا لرؤية ومخطط سليمين، ينتظمان أفكارا واضحة وآليات محددة.
فوق ذلك فإن هذه اللجنة تحمل في ثناياها بذور ضعفها وعدم فاعليتها، إذ تنبثق عن لجنة المتابعة ذات الكيان المترهل، والإدارة العشوائية، والأداء الضعيف الذي يفتقد صفة الإلزام وطنيا وفصائليا، ناهيك عن حالة التضاد التي يُنتظر أن تحكم علاقتها بملف الانسحاب الذي يديره الوزير دحلان، ما يعني أن أي تعويل على اللجنة، أو انتظار الكثير منها، يشكل رهانا غير مضمون النتائج، وتحليلا في الاتجاه الخاطئ.
المحذور الثالث يتمحور حول صفقات بيع أراضي المستوطنات التي تولى معظمها –للأسف- مسؤولون في السلطة، أو ذوي إسناد من جهات نافذة فيها. فرغم تأكيدات الرئيس أبو مازن ببطلان هذه الصفقات إلا أن شكوكا جدية تساور الكثيرين حيال مدى قدرته على ترجمة تصريحاته إلى وقائع عملية، في ظل عدد من التجارب غير المشجعة التي أدارت فيها جهات في السلطة الظهر لأبي مازن، كقضية السلامة الأمنية للوظائف العامة، وموضوعة الفلتان الأمني، والفساد، وغيرها.
المحذور الرابع يتصل بنزعة احتكار نشوة الاحتفال باندحار الاحتلال التي تكرسها السلطة، والدفع باتجاه احتضان جميع الاحتفالات تحت المظلة السلطوية. فلا يمكن تفسير هذا الأمر، وسواه من احتكار واستئجار معظم الحافلات وسيارات النقل العام إلى ما بعد الانسحاب بما يشبه "شراء الذمم"، إلا كمحاولة لفرض اللون الواحد، وخنق التعددية وتذويبها في إطار الأجندة السلطوية الخاصة، التي تبغي القفز عن حقائق الواقع، واستثمار الانسحاب على أرضية سياسية شوهاء.
المحذور الأخير يتصل بالجدار البشري الذي يقيمه الأمن الفلسطيني حول المستوطنات لمنع المواطنين من دخولها، وما قد يثيره من توترات ولربما صدامات نحن في غنى كامل عن حدوثها. فالأولى تدشين خطة منظمة ترعاها السلطة لنقل المواطنين إلى المستوطنات المخلاة دون تشنجات، بدلا من إغلاقها في وجوههم؟!، وهم الذين سالت دماؤهم ونزفت جراحهم عقودا طويلة في مواجهتها والتصدي لشرورها.
تلك إشكاليات ومحاذير جدية ينبغي على السلطة التعامل معها وفق صيغ وآليات وطنية خالصة، بعيدا عن نظرية الرؤى "القاصرة" والمكاسب "المحدودة".
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع