جدول عادي التصعيد الخطير على قطاع غزة المحاصر أصلا يشكل اختبارا حقيقيا لهذه المرحلة على شتى المحاور والمستوياتوفي هذه العجالة لن أتحدث عن جرائم الاحتلال وحجم الموت والدمار والرعب…
التصعيد الخطير على قطاع غزة المحاصر أصلاً، يشكل اختباراً حقيقياً لهذه المرحلة على شتى المحاور والمستويات،وفي هذه العجالة لن أتحدث عن جرائم الاحتلال، وحجم الموت والدمار والرعب الذي ينشره بين الأبرياء، فالصور القادمة من هناك تغني عن القول، ولكني هنا سأركز على الجوانب التي يختبرها هذا التصعيد، لعل صرخة تقع في أذن فتحرك راكداً، وتذكر ناسياً، وتوضح ملتبساً، وتهز من أتعبه الخمول.
أولاً : يعتبر هذا التصعيد اختباراً حقيقياً للمصالحة الفلسطينية التي لا تكاد تبدأ حتى تتوقف، لكني هنا أحاول أن أكون متفائلاً لأقول إن التصعيد الإجرامي على غزة هو الاختبار لحقيقة ما نسمع من تصريحات هنا وهناك،بل إنه يضع الجميع أمام مسؤولياته التاريخية، فلا أقل من التضامن من خلال الفعاليات الشعبية والرسمية،وتفعيل وتسهيل بعض الملفات العالقة مثل الكهرباء والأدوية والوقود وغيرها، وتكثيف اللقاءات التشاورية والتنسيقية بين غزة ورام الله وفتح وحماس وباقي الفصائل كرد على هذا العدوان، وإلا فالثور الأسود يلي الثور الأبيض في الدور، ولا حشمة لأحد عند هذا الاحتلال، والتاريخ لن يرحم، والشعوب أصبحت تعي كل ما يدور حولها.
ثانياً : هذا التصعيد يعتبر اختباراً للثورات العربية وما نتج عنها من تغيرات ثورية استراتيجية، وخصوصاً في مصر ومعها بقية دول الثورات، وأعني هنا المستوى الرسمي، فلا يعقل ولا يقبل أن تموت غزة في زمن الثورات العربية كما كانت تموت في عهد مبارك وبن علي، وإلا كان هذا مساساً بالأمن القومي المصري والعربي، بل وأظنه رسالة لمصر أولاً، ولكل الدول التي قامت بثوراتها، أن الاحتلال لن يتراجع عن سلوكه، فماذا أنتم فاعلون إزاء هذا التحدي ؟؟؟!
ثالثاً : يعتبر ما يجري اختباراً للشعوب العربية، وخصوصاً التي قامت بالثورات في بلدانها، حيث يقيس الاحتلال ردات الفعل الشعبية، وأنواعها ومداها ومستواها، مما يضع الجميع أمام مسؤولياته التاريخية، فمدى الاستجابة للأحداث يقيس مدى حيوية الثورات، والتي جعلت من فلسطين مادتها الأولى لتحريك الهمم واستنفار الشعوب.
رابعاً : يعتبر هذا التصعيد اختبارا للمقاومة الفلسطينية، ومدى استعدادها وجهوزيتها لصد العدوان على غزة، ولأي مدى يمكن أن تصمد أمام عملية عسكرية واسعة كالتي خاضها الاحتلال في أواخر سنة 2008م، وهل اكتسبت خبرة وأسلحة جديدة لم تصل إليها تحليلاتهم الاستخباراتية ؟
خامساً : يعتبر التصعيد اختبارا للموقف الشعبي الفلسطيني في غزة والضفة الغربية والداخل والخارج، والاختبار في غزة يرتكز على مدى الصمود والتحمل لضربات الاحتلال وما ينتج عنها من قتل وتدمير، خصوصاً بعد تلك الحرب الغاشمة التي استنفذت فيها إسرائل معظم ذخيرتها وشتى أنواع الأسلحة المدمرة، ولعل الصور تعكس أن الموقف يطمئن في هذا الجانب، حيث يتميز الإنسان الفلسطيني والغزي خصوصاً بتصاعد التحدي لديه في الأزمات، لكنه يأمل فيمن حوله بعد الثورات أكثر.
والاختبار في الضفة لا يقل أهمية، حيث يقيس الاحتلال ردات الفعل الشعبية والتضامنية، وخصوصاً مناطق التماس مع الاحتلال، وكذلك يقيس الاحتلال مدى الاهتمام بالأحداث، وكيف تتعاطى السلطة وأجهزتها الأمنية مع الأمر،لأن ذلك يؤثر على أي خطوة قادمة ضد غزة أو الضفة، بل ويعكس مدى نجاح الاحتلال والمستفيدين من الفصل في الحفاظ على الانقسام البغيض، ولعل الصورة سوداوية في هذا الاتجاه حتى اللحظة.
سادساً : لا يعتبر التصعيد الأخير اختبارا للموقف الدولي، فقد خبرناه طويلاً، ولعل هذا التصعيد يأتي بعد زيارة نتنياهو لأميركا والحفاوة التي استقبل بها، بل وأظن أن هذه العملية بحثت مع أوباما ضمن العديد من الملفات الأمنية والعسكرية والسياسية، وأعطي الضوء الأخضر لذلك.
وتبقى الرباعية في مثل هذا الموقف على عهدها،حيث تدعو الضحية لتفهم انفعالات القاتل، حتى لا تضيع فرص السلام واستئناف المفاوضات،
الخطير في الأمر أن المستوى السياسي الفلسطيني في السلطة لا زال يأمل في استئناف المفاوضات رغم كل ما يجري من استيطان وتهويد وقتل وتدمير وتضييق حتى على شخصيات كبيرة في السلطة، والحكمة تقتضي أن نعيَ أن الشعوب لا تنتظر كثيراً، وأن هذا الاحتلال لم يترك مجالاً للمناورة، بل أحرق كل السفن وقطع كل الطرق وهدَّم كل الجسور الموصلة للمفاوضات التي لم توصل لشيء حتى اللحظة، بل اشتد أوار الاستيطان وكأنهم في سباق مع الزمن، وتسارع تهويد القدس حتى لا يبقى شيء للتفاوض عليه في المستقبل.
هي دعوة كي يتحمل الجميع مسؤولياته نحو ما يجري وسيجري لاحقاً، فالنار إذ تشتعل ستحرق الجميع إن لم يسارعوا إلى إطفائها.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع