د أحمد محمد بحر يبدو أن الانسحاب الصهيوني من قطاع غزة بات يشكل بالفعل هاجسا يطارد جيش الاحتلال الصهيوني خوفا من قيام حماس بشن هجمات بصواريخ القسام حال الانسحاب الأمر الذي جعل الجيش…
د. أحمد محمد بحر
يبدو أن الانسحاب الصهيوني من قطاع غزة بات يشكل بالفعل هاجساً يطارد جيش الاحتلال الصهيوني خوفاً من قيام حماس بشن هجمات بصواريخ القسام حال الانسحاب، الأمر الذي جعل الجيش الصهيوني يحشد 60ألف جندي للإشراف على الانسحاب وحمايته على أن يكون دفعة واحدة تغادر تفادياً من ضربات المقاومة الفتية. هذا الرعب الذي انغرس في قلوبهم ناتج عن عدَّة أسباب نذكر منها 1. أن المقاومة وعلى رأسها حركة حماس قوية وفاعلة يحسب لها ألف حساب. 2. جبن الجندي الصهيوني وحرصه على الحياة وهذه طبيعة بني يهود " وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ " البقرة آية 96. 3. وأما السبب الرئيس فهو رعاية الله للمجاهدين في تثبيت أقدامهم وإلقاء الرعب في قلوب أعدائهم " إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ " الأنفال آية 12.
هذا الانسحاب الصهيوني الذي سيتم إن شاء الله في 15/8 يذكرنا بجلاء يهود بني النضير عن المدينة المنورة قبل ألف وأربعمائة سنة ووجه الشبه بينهما أن الله ألقى الرعب في قلوب اليهود من حيث لم يحتسبوا، وأنهم يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين. كما أنه لم يكن يتوقع أحد أن يخرج اليهود من قطاع غزة كما حصل بالفعل ليهود بني النضير فما كان أحد يتوقع خروجهم، ولا هم كانوا يتصورون ذلك قال تعالى " هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ " الحشر2.
يقول الشهيد سيد قطب معقباً على هذه الآية " وقد كانوا يحسبون حساب كل شئ إلاَ أن يأتيهم الهجوم من داخل كيانهم. فهم لم يحتسبوا هذه الجهة التي أتاهم الله منها وهكذا حين يشاء الله أمراً يأتي له من حيث يعلم ويقدر، وهو يعلم كل شئ وهو على كل شئ قدير. فلا حاجة إذن إلى سبب ولا وسيلة مما يعرفه الناس ويقدرونه فالسبب جاهز دائماً والوسيلة مهيأة ... وقد تحصن الذين كفروا من أهل الكتاب بحصونهم فآتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب وقد امتنعوا بدورهم وبيوتهم فسلط الله عليهم هذه الدور والبيوت يخربونها بأيديهم، ويمكنون المؤمنين من إخرابها. والله سبحانه يأتيهم من وراء الحصون فتسقط بفعلهم هم، ثم يزيدون فيخربونها بأيديهم وأيدي المؤمنين ".
لقد بات الانسحاب أمراً ضرورياً لليهود لأن وجودهم في غزة يكلفهم الشيء الكثير وكما صرح شارون أن قطاع غزة يشكل عبئاً أمنياً لا يطاق كما أن خسارة اليهود في القتلى عجلت في عملية الانسحاب، تقول صحيفة معاريف العبرية نقلاً عن جهاز الأمن الداخلي (شين بيت) أن المقاومة الفلسطينية تمكنت من قتل 1513 صهيونياً وجرحت أكثر من 3380 صهيونياً من خلال نجاحها في تنفيذ ما يزيد عن 143 عملية فدائية.
وذكر كثير من المحللين الصهاينة أن فكرة فك الارتباط عن غزة لم تأت من رأس شارون بل من جهاز الأمن الصهيوني الذي أشار على شارون بذلك. والدليل على ذلك أن شارون نفسه الذي أسس المستوطنات ودافع عن وجودها وجمع لها الأموال من أجل تثبيتها وهو الذي قال يوماً إن نتساريم مثل تل أبيب. اليوم يقول البقاء فيها خطير ويجب الانسحاب منها !! ويعترف ويقول إن الانسحاب من غزة بسبب المقاومة إن السبب الذي أجبر شارون على الانسحاب هو نفس السبب الذي أجبر رابين على الانسحاب من غزة عام 1994م حينما قال كلماته في الكنيست لما سأله البعض لماذا لم تستطع القضاء على كتائب الشهيد عز الدين القسام؟ قال ماذا أفعل برجل جاء ليموت !!
ولهذا السبب وللخروج من شبح القسام قال رابين أتمنى ذات يوم أن أصبح وقد ابتلع البحر غزة !!. ومن هنا استغلت الأجهزة الإعلامية الصهيونية الأحداث في غزة بين حماس والسلطة بإشعال نار الفتنة وإذكاء روح العداوة وبالتحريض السافر على حركة حماس من خلال المقالات والتحليلات في الصحف العبرية التي تصور حماس أنها تملك ترسانة عسكرية وجيشاً قوياً كما كشفت عن الخطط المعدة للسيطرة على السلطة. فقد جاء على لسان روني شكيد في صحيفة معاريف حينما قال " ويجدر بالذكر أن لدى حماس سلاح، وربما أكثر مما لدى السلطة، جيش شعبي من نحو 40 ألف لابس بزة عسكرية ". ويقول الصهيوني عميت كوهين في مقال بعنوان " التهديد التالي- المرابطون " أن رجال حماس مسلحون بشكل أفضل من أجهزة أمن السلطة، وذلك بفضل أنفاق التهريب التابعة للحركة وكذا مستوى التدريب العسكري العالي.
ليس غريباً أن يقول الصهاينة ذلك ولكن الأغرب من ذلك حين صرح محمد دحلان لصحيفة هارتس الإسرائيلية فقال إن حركة حماس حاولت في الآونة الأخيرة القيام بانقلاب عسكري في قطاع غزة ضد السلطة الفلسطينية وقال أيضاً إن حماس أقوى من السلطة اليوم في غزة.
إن الهدف من التحريض والتهويل من قوة حماس هو تخويف السلطة منها لجرها إلى افتعال حرب أهلية، وإيهام الرأي العام العالمي وخاصة أمريكا على أن حماس هي المشكلة والعقبة قبل وبعد الانسحاب، وأن في نيتها السيطرة على السلطة، والتصعيد من إطلاق صواريخ القسام. تأتي هذه الهجمة الشرسة على حماس بعد نجاحها على المستوى العسكري في الدفاع عن شعبها والرد على العدو الصهيوني والذي يعد مفخرة للشعب الفلسطيني كما أنها اكتسبت شرعية شعبية على المستوى المحلي والعربي والإسلامي، وتجذرت في المجتمع الفلسطيني بوقوفها مع شعبها في أفراحهم وأتراحهم، الأمر الذي زادها قوة وثباتاً ويقيناً.
الاستخبارات الصهيونية تتوقع بعد الانسحاب عدَّة احتمالات من أهمها اندلاع مواجهات بين قوات الأمن الفلسطينية والتنظيمات العسكرية الفلسطينية وهذا ما تسعى إليه إسرائيل وتتمناه، ولقد قالها المجرم شمعون بيرز بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من غزة عام 1994م " لقد نفضنا أيدينا من دم الفلسطينيين وستتولى شرطتهم هذه المهمة من الآن فصاعداً ... ولتغرق غزة في الدم !! ".
وهذا ما يتمناه قادة العدو الصهيوني وأحزابها اليوم أن تقوم حرب فلسطينية فلسطينية تأكل الأخضر واليابس كي نظهر أمام العالم أننا لا نستحق أرضاً ولا وطناً.
ولذا يجب على الفلسطينيين جميعاً أن يكونوا صفاً واحداً في مواجهة كل العابثين والمرجفين الذين يسعون لإحداث فتنة داخلة لا تخدم إلا العدو الصهيوني " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ " الصف آية4.