إنه مشهد يثير الغضب والاستهجان والحزن وهو المشهد الذي تبثه قناة القدس الفضائية تلك المرأة المقدسية التي جرها شرطي الاحتلال ومن معه من منزلها إلى الشارع وهي تصرخ بأعلى صوتها هذا…
إنه مشهد يثير الغضب والاستهجان والحزن وهو المشهد الذي تبثه قناة القدس الفضائية، تلك المرأة المقدسية التي جرها شرطي الاحتلال ومن معه من منزلها إلى الشارع وهي تصرخ بأعلى صوتها هذا بيتنا هذا بيت آبائي وأجدادي وأنتم الدخلاء..يجمعونكم من بلاد العالم وتستولون على منازلنا وأرضنا..
وهذا المشهد واحد من المشاهد اليومية المتكررة في القدس، حيث يواجه المقدسيون حملة شرسة من الطرد والإبعاد والتهجير القسري والاستيلاء عنوة على ممتلكاتهم وبيوتهم وأراضيهم من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، كما يواجهون صعوبات في استصدار تراخيص البناء من لجان التنظيم الإسرائيلية التي تضع أمامهم شروطا تعجيزية، إلى جانب مطالبتهم بدفع ضرائب باهظة "الأرنونا" والتي تقدر بآلاف الدولارات لاستصدار رخصة للبناء، ومن لا يستطع الدفع تصادر منازلهم، ومن المؤكد أن حوالي 80% من المقدسيين مدينون لها. يسعى الاحتلال إلى تهجير المقدسيين وطردهم، فيقوم بمضاعفة الضريبة كوسيلة للضغط عليهم، رغم أن هذا يتعارض مع القانون الدولي الذي لا يجيز الانتفاع من أموال هذه الضريبة، إلا أن الاحتلال يصرف حوالي 30% منها على المستوطنات، وتجبي بلدية الاحتلال في القدس المحتلة "الأرنونا" بعد أن أقرت الكنيست الإسرائيلية زيادتها 3,1% في هذا العام من مواطني المدينة والمستوطنات فيها مقابل خدمات تقدم للمستوطنين ولا تقدم بالشكل المطلوب للمقدسيين. كما قامت سلطات الاحتلال بعمليات طرد وتشريد للمقدسيين بعد أن سحبت الإقامة من حوالي 15 ألف عائلة يبلغ تعداد أفرادها 50 ألفًا, وعدلت أطماع الحركة الصهيونية الحدود المصطنعة لما أسمته "القدس الكبرى" عاصمة للشعب اليهودي لتقضم 10% من مساحة الضفة الغربية، ومن المتوقع أن يقطنها بحلول عام 2020 قرابة مليون يهودي، وفي المقابل تعمل الداخلية الإسرائيلية جاهدة منذ احتلال شرقي القدس على انتهاج سياسة التفريغ للمدينة من الفلسطينيين ليقتصر الوجود الفلسطيني بها على 100 ألف نسمة أو أقل من ذلك إن أمكن.
كما بلغ تعداد الوحدات السكنية للفلسطينيين شرقي القدس قبل احتلالها نحو 12 ألف وحدة سكنية دون وجود يذكر لليهود، واليوم هناك 38 ألف وحدة سكنية للفلسطينيين 25% منها مهدد بالهدم والإخلاء، ويقطن هذه المباني قرابة 60 ألف فلسطيني. كما تم بناء 60 ألف وحدة استيطانية شرقي القدس، موفرة ببيئة جذابة لليهود بإقامة أكثر من 70 بؤرة استيطانية في قلب الأحياء العربية. وصادرت بلدية الاحتلال أكثر من ثلث مساحة شرقي القدس ووظفتها لبناء الاستيطان، لتقتصر مساحة الأراضي المعدة للتطور والبناء للمقدسيين على 13% من المساحة التي ضمتها سلطات الاحتلال. بالإضافة إلى أن بلدية الاحتلال قد رصدت في القدس المحتلة لهذا العام ميزانية بقيمة 1،5 مليار دولار بزيادة قدرها 80 مليون دولار لتعزيز مشاريع التهويد شرقي المدينة المقدسة. على أنه سيتم في هذا العام بناء 30 ألف وحدة سكنية استيطانية من أصل 60 ألفًا. وحسب المخططات الإسرائيلية ستشيد 52 ألف وحدة استيطانية شرقي القدس وما تبقى من وحدات سكنية ستبنى غربي المدينة، أي أن أكثر من 85% من البناء سيكون في الأراضي المحتلة.
أقدمت اللجنة اللوائية للتخطيط والبناء الإسرائيلية على إنشاء مخطط استيطاني جديد لبناء ٣٨٦وحدة استيطانية على ٨ دونمات في حي الشيخ جراح في جورة النقاع. ويأتي هذا المشروع ضمن مخطط رقم ٢٩٤٦٥ب من ضمن المشروعات التي يشرف عليها راعي الاستيطان المعروف آرييه كنج بالتعاون مع جمعية اليهود اليمينيين، حيث قامت بتقديم هذا المشروع الذي يراد من خلاله تخصيص الأراضي الواقعة ما بين شارع الشيخ جراح ومحطة الوقود الموجودة في المنطقة حتى حدود الحديقة التي في منتصف حي الشيخ جراح . وفي حال تم إقرار المشروع سيهدد مصير نحو ٣٠ عائلة يزيد عدد أفرادها عن ٢٨٠ فرداً في حي الشيخ جراح الذين تلقى جزء منهم قبل أيام أوامر إخلاء لمنازلهم، حيث حسب المخطط سيتم هدم هذه المنازل تمهيداً لتولي شركة ( شاباري للاستيطان ) الإشراف على عملية بناء ٣٨٦ وحدة استيطانية على شكل ( كوتيج ) بواقع خمسة طوابق لخدمة المستوطنين ضمن مواصفات معينة بالإضافة إلى مدرسة مطلة على الحديقة التي في الحي وكنيس وروضة أطفال . كما تنوي الشركة الاستيطانية التي تعتمد في عملها على نحو ٦٠ قسيمة مختلفة الأحجام تبلغ مساحتها مجتمعة ٨ دونمات تقترب حدودها مع الشارع رقم واحد ربط، هذه المستوطنة التي ستكون أكبر بؤرة استيطانية ضمن خمسة مشاريع استيطانية بالمشروع الثاني على المنازل الفلسطينية التي بنتها الوكالة والحكومة الأردنية، حيث يضم المشروع الثاني نحو ٢٠٠وحدة استيطانية إضافة إلى ٢٣ وحدة في موقع فندق شيبرد و١٨٠في كرم المفتي. وكذلك يتضمن المشروع تغيير مسار الشارع الحالي لحي الشيخ جراح بحيث يتم ربطها معاً ويجري إحاطتها بجدار مرتفع تتولى شركة حراسة خاصة حماية هذا الحي الاستيطاني الذي سيعزل سكان شمال القدس عن البلدة القديمة.
وكعادتها فقد قامت سلطات الاحتلال بتهديد الأهالي المقدسيين وتكبيل أيديهم بقرار باطل من المحكمة المركزية الإسرائيلية حولهم من مستأجرين من المالك الأصلي وهم سليمان درويش حجازي ومعو السعدي إلى مستأجرين محميين من حارس أملاك العدو الذي قام بإلغاء عقود الإيجار وحول ملكية هذه الأراضي الوقفية إلى الجمعيات الاستيطانية ومنها ارييه كنج وجمعية اليهود اليمينيين في جورة النقاع، وهناك جمعيتان استيطانيتان هما ( اليهود الشرقيون وجمعية عطرات كوهنيم ) تعملان في محيط مغارة - معو السعدي التي تم تحويل اسمها وتحويلها إلى كنيس باسم (الصديق شمعون )، وتسعى كل هذه الجمعيات الاستيطانية إلى توسيع نفوذها بالسيطرة على أكبر عدد من المنازل والعقارات الفلسطينية لكسب عطاءات البناء الاستيطاني في الحي . كما صادقت البلدية على مخطط بناء استيطاني في صور باهر وسلوان يقضي ببناء 180 وحدة استيطانية على مساحة حوالي 53 دونما بين حي أم ليسون وصور باهر من أراضي المواطنين.
ثم إن جدار الفصل العنصري الإسرائيلي زاد الطين بلة وأنهك المقدسيين وزاد من معاناتهم اليومية، حيث عزل الجدار نحو 250 ألف مقدسي عن المدينة، وشطبت المستوطنات والحواجز العسكرية الحدود التاريخية لشرقي القدس التي بلغت مساحتها 72 كم عندما احتلت، ولم يتبق منها سوى 9,5 كيلو مترا مربع للفلسطينيين. وجاء تدشين مشروع معبر شعفاط للتخلص من 70 ألف مقدسي، إضافة إلى 130 ألفًا يقطنون بضاحية السلام والرام وضاحية البريد وبير نبالا والعيزرية وأبو ديس، عزلهم الجدار العنصري عن مركز حياتهم الاجتماعي والاقتصادي والصحي والتعليمي بالقدس.
المطلوب الآن من الجميع وقفة صادقة لنجدة القدس من التهويد، بأن يرتفع الصوت الفلسطيني والعربي والدولي عاليًا منددًا بالإجراءات الانفرادية الإسرائيلية في القدس ومنع اليهود المتطرفين من الهجوم على المسجد الأقصى المبارك لتدنيسه وحرقه وهدمه؛ بحجة إقامة الهيكل المزعوم. وليس المقصود هنا أن الاحتجاجات الكلامية قد تكون كافية لوقف المخططات الإسرائيلية الاستيطانية في القدس، بل إن المجتمع الدولي يمتلك الوسائل الفاعلة والقادرة على وضع حد للممارسات التهويدية والاستيطانية الإسرائيلية في القدس.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع