غزة بداية الطريق لا آخره

غزة بداية الطريق لا آخره

أ.فرج شلهوب
2005-08-07

الانسحاب من غزة على الابواب طلائع المستوطنين تحزم حقائبها وتغادر إلا ان اهل غزة في الداخل والشتات ما زالوا آخر من يعلم عن طبيعة هذا الانسحاب ومضمونه وماذا ينوي الاحتلال ان يفعل…

الانسحاب من غزة على الابواب، طلائع المستوطنين تحزم حقائبها وتغادر، إلا ان اهل غزة في الداخل والشتات، ما زالوا آخر من يعلم عن طبيعة هذا الانسحاب ومضمونه، وماذا ينوي الاحتلال ان يفعل بعد ان يغادر آخر مستوطنيه وجنوده؟! ماذا عن المعابر المائية والبرية والجوية؟! ومحور فيلادلفيا سيخضع لسلطة من ورقابة من؟! وما مستقبل القطاع لجهة الوصف السياسي والسيادي؟!

هل ستعلن دولة غزة ام الدولة الفلسطينية في غزة ام أي شيء سيكون؟! والاسوار والجدران التي يبنيها الاحتلال ويعليها من الجهات الثلاثة حول غزة، فيما البحر يخضع للحصار بعد عدة اميال من شاطئها، اي شيء تعني؟!

ان كون خطة الانفكاك عن غزة التي عرضها شارون احادية الجانب، لا يعطي هذا الأخير ولا من يقف وراءه دائماً او الى جواره منتظراً التنسيق الحق في العبث بحاضر ومستقبل الشعب الفلسطيني على ارضه وخارجها؟! والاسوأ عندما يقترن سلوك الاحتلال الغامض والمريب، بسلوك آخر غامض ومريب ايضاً، تسلكه السلطة مع شعبها، فيما يتعلق بمستقبل القطاع ووضع الترتيبات اللازمة بعد انسحاب الاحتلال؟! غامض، لأن هناك من الاباطرة وحيتان الفساد، من يريد الاستئثار بالمنافع والاستثمارات والاحتكارات، باسم وحدانية السلطة وقانونها المعطل؟! ومريب، لأن هناك من يشحذ سلاحه ويتحين الفرصة، اولاً لتكريس ديكتاتوريته القائمة على السلب والنهب واخضاع الناس بترهيب السلاح.

وثانياً للوفاء باستحقاقات أمنية مكتوبة ومتفق عليها في الخفاء، وهي الثمن لتمتع الفاسدين بمزايا السلطة وما ينهبوه من حقوق البسطاء.

واذا كان شارون لا ينتظر احد منه ان يكشف عن نواياه فضلاً عن ان يكون صادقاً مع شعب احتل ارضه وحياته بالسلاح والنار عقوداً طويلة، فإن غموض وريبة آخرين غير مبررة وقد يدفع الشعب ثمنها غالياً، من حقوقه وربما من حياته ايضاً؟! ان السلطة التي لا تريد ان تشرك احداً غير اباطرتها وفاسديها، في ترتيب الامور ووضعها بشفافية في نصابها الصحيح، تتحمل المسؤولية كاملة ليس فقط عن كل فساد او استقواء او بلطجة قد تقع، ولكن عن تخريب قضية الشعب والتفريط بها، باشغاله في احترابات صغيرة، بينما تذهب خطة الاحتلال بعيداً في اهدار الحقوق الفلسطينية، في الضفة مثلما في غزة.

ان غياب الشفافية والاطار المشترك بين السلطة وكافة القوى الاساسية في الشارع الفلسطيني، وتصوير المسألة باعتبارها اسلاباً وغنائم، وترك الفاسدين يمرحون في ظل عشائر الاجهزة الأمنية وتعطيل القانون ستكون له آثار وخيمة، خصوصاً وقد اهدرت السلطة فيما مضى كل الوقت دون ترتيب اوضاع البيت الفلسطيني، بتعطيل الانتخابات ونشر بذور الشك والريبة والتنافس والتدابر والصراع.

ان خروج الاحتلال من غزة، ينبغي ان لا يكون سبباً لضرب وحدة الشعب الفلسطيني او فرصة لتعزيز نفوذ الفساد ومنهج الادارة الخطأ القائم على الاستئثار والانتفاع الحرام. تماماً مثلما لا يجوز ان يكون بوابة للتفرط بالحق الفلسطيني الكامل في التحرير في الضفة وغزة وما بينهما، وأي تفكير سلبي لدفع استحقاقات أمنية لمكافئة الاحتلال سيكون تفريطاً مداناً واستهلال خطير لتدمير المستقبل الفلسطيني.

ان الشعب الذي عانى عقوداً طويلة من قمع الاحتلال يحتاج لادارة نظيفة، قائمة على العدل والانصاف والوضوح، تحترم ارادة الناس واختيارهم، وتصون حقوقهم ولا تفرط بمستقبلهم ولا بقضيتهم الوطنية، وهو ما نشك في ان تلتزمه النخبة التي جمعت سوء العقلية والادارة المستبدة الى العلاقة المشبوهة مع المحتل.

ان غزة ليست فلسطين، واخلاء المستوطنات منها ليس نهاية القضية، فلا تزال القدس تنتظر، ولا يزال ملايين اللاجئين ينتظرون، ولا تزال الضفة وما بين غزة والضفة تنتظر، وما تزال غزة ذاتها تعيش التكهنات وتغرق في الانتظار.

ان الشعب الفلسطيني بتفكيك مستوطنات غزة لم يضع عصا الترحال، وما تزال الطريق امامه طويلة، ولعل المؤامرة القادمة على حقوقه تكون اكبر من كل ما توقعنا، وشارون الذي يرفض التنسيق في خطوته المجزوءة، مع عرابي التسوية والحلول الأمنية، حتى في ابسط المسائل، لن يكون وفياً لحقوق الفلسطينيين ولا أميناً على مستقبلهم ولا شريكاً صادقاً تحت أي مسمى لحل أي من مشاكلهم، وأي استسلام للخدر اللذيذ او نكوص عن درب الصمود والعطاء، ليس سوى وصفة للانهيار والاندثار.

ان الطريق طويلة، والفشل في غزة سيقود لفشل اعظم، وسادة السلطة الذين لا يقرأون وربما لا ينظرون لعواقب ادارتهم البائسة والملوثة، سيوردون الشعب والقضية اسوأ السبل ،اذا لم يسد العقل ويشرك الشعب بكل فئاته في تقرير المصير، واذا لم يكن الجميع على وعي وبصيرة والاتفاق على الخطوة القادمة.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026