جدول عادي تعالت في الفترة الأخيرة أصوات الكثير من المسئولين الإسرائيليين المطالبين بوضع حد لحكم حركة حماس في غزة ممثلا بحكومة رئيس الوزراء إسماعيل هنية بأي ثمن ووسيلة وقد ساق…
تعالت في الفترة الأخيرة أصوات الكثير من المسئولين (الإسرائيليين) المطالبين بوضع حدٍ لحكم حركة "حماس" في غزة، ممثلاً بحكومة رئيس الوزراء إسماعيل هنية بأي ثمن ووسيلة، وقد ساق هؤلاء المسؤولون لتحقيق ذلك العديد من "الذرائع"، مثل تعاظم القوة العسكرية للفصائل الفلسطينية الموجودة في غزة، وتحديدًا قوتها الصاروخية، التي حصلت عليها بعد انهيار نظام العقيد القذافي في ليبيا نهاية العام الماضي، الأمر الذي تسبب في جعل ما يزيد عن مليون (إسرائيلي) تحت مرمى نيران الصواريخ الفلسطينية بالإضافة إلى العديد من الذرائع الأخرى.
ويمكن القول إن تعالي هذه الأصوات يعود إلى أسباب أخرى فضلاً عن تعاظم القوة الصاروخية للفصائل في غزة، وواحد من تلك الأسباب المهمة، هو فشل كل الإجراءات العقابية (الحصار والحرب مثلاً) التي قامت بها (إسرائيل) منذ العام 2007م، للإطاحة بحكم الحركة، والذي تعزز بعد ربيع الثورات العربية، التي شكلت سندًا قويًا للحركة، ولعل نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة في مصر، تونس، والمغرب التي فاز فيها الإسلاميون بأغلبية المقاعد البرلمانية، قد زادت مخاوف (إسرائيل) من استمرار حكم الحركة بعد اليوم، والذي ظهر جليًا عشية الجولة التي يقوم بها رئيس الحكومة هنية، إلى بعض العواصم العربية والإسلامية والتي وصل خلالها حتى اليوم إلى القاهرة، الخرطوم، وأنقرة، حيث عبرت (إسرائيل) علانية عن مخاوفها من النتائج المترتبة على الجولة، في حشد الدعم الرسمي والشعبي العربي والإسلامي للحكومة الفلسطينية، الأمر الذي من شأنه التأثير سلباً على صورة (إسرائيل) في العالمين العربي والإسلامي.
كذلك يمكن القول إن اقتراب حركة "حماس" من حركة "فتح"، والذي تحقق أخيرًا بالتوقيع على اتفاق المصالحة الوطنية في القاهرة مطلع مايو الماضي، والشروع في ترجمة الاتفاق على الأرض، قد أثار مخاوف (الإسرائيليين) من عودة حركة "فتح" إلى تبني وجهة نظر حركة "حماس" من مسألة الصراع مع (إسرائيل)، الأمر الذي يعني فشل الرهان (الإسرائيلي) على استمرار الانقسام الفلسطيني بعد اليوم، والذي عدته (إسرائيل) أحد أهم الأحداث السياسية التي أثرت إيجابيًا على مستقبل (إسرائيل) منذ قيامها عام 1948م.
ويمكن القول إن النجاح السياسي الذي تحقق لحركة "حماس" في الفترة الأخيرة، بقدر ما شكل صفعة قوية لـ (إسرائيل) فإنه بالقدر نفسه شكل صفعة قوية لبعض الأنظمة العربية التي مازالت تدور في الفلك الأمريكي سلبًا وإيجابًا، وتطوعت في الفترة الأخيرة "مجانًا" للعمل على استضافة السلطة الفلسطينية و(إسرائيل) معًا، لتقريب وجهات النظر فيما بينهما، وهو فعل المراد منه حسب وجهة نظري، إعادة إخراج الانقسام الفلسطيني مرة أخرى، بعدما بدأت عجلة المصالحة الوطنية تسير إلى الأمام.
إن الشيء الذي غاب عن بال هذه الأنظمة، أن رياح التغيير في العالم العربي قد "هبت"، وأن عام 2012م، لن يكون بخلاف عام 2011م، فالشعوب العربية التي مازالت تئن تحت حكم الأنظمة المستبدة، لن تقبل بعد اليوم بأي حال من الأحوال، أن تكون أقل شأنًا من الشعوب العربية التي سبقتها إلى التغيير في تونس، مصر، ليبيا، سوريا، واليمن، فالعام الحالي سيكون عام الحسم على صعيد استكمال الربيع العربي لعملية التغيير في العالم العربي، ولعل من المفيد تقديم النصيحة إلى الأنظمة العربية التي مازالت تدور في الفلك الأمريكي، مفادها الانخراط في الربيع العربي، بدلاً من الوقوف ضده، وذلك حتى لا تلقى هذه الأنظمة المصير نفسه الذي لاقته الأنظمة العربية التي سبقتها في تونس، مصر، ليبيا، اليمن، وسوريا.
إن غزة التي أراد (الإسرائيليون) لها الموت جوعًا بفعل الحصار تارة والحرب تارة أخرى، استطاعت بفضل صمود شعبها أن تتحول إلى صداع "مزمن" لـ (إسرائيل) يظهر أثره من حين إلى آخر، في تصريحات المسئولين (الإسرائيليين) المطالبين بإسقاط حكم الحركة في غزة بأي ثمن ووسيلة، ولكن الشيء المؤكد أن ما عجزت (إسرائيل) عن تحقيقه في الوقت الذي كانت فيه حركة "حماس" ضعيفة، لن تستطيع تحقيقه بعدما أصبحت الحركة من القوة، ما جعل الكثير من الأنظمة العربية تخطب ودها، وتستقبل رئيس وزراء حكومتها على أعلى المستويات السياسية، بعدما كانت تتهرب من مجرد الرد على مكالماته الهاتفية.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع