فضائل المقاومة (12)

فضائل المقاومة (12)

د. عصام عدوان
2011-11-27

جدول عادي تتعدد سبل المقاومة لتشمل كل مناحي الحياة ويشارك فيها المجتمع على اختلاف فئاته وتخصصاته وكل على ثغرة يذود عنها ويحميها ويقوم بواجبه ويبرز الكفاح المسلح من بين هذه السبل…

تتعدد سبل المقاومة لتشمل كل مناحي الحياة، ويشارك فيها المجتمع على اختلاف فئاته وتخصصاته، وكلٌ على ثغرة يذود عنها ويحميها، ويقوم بواجبه. ويبرز الكفاح المسلح من بين هذه السبل باعتباره أقصر الطرق نحو التحرير. وعندما ينخرط الشعب في المقاومة، يحقق فوائد وفضائل عِدّة، تتضاءل بجوارها التضحيات، ومن ذلك:

31- المقاومة تستنزف العدو اقتصادياً:

المجتمع الإسرائيلي مجتمع احتلالي بجميع مكوناته، وهو يوظف جميع قدراته وسكانه من أجل استمرار احتلاله للأراضي الفلسطينية والعربية. وهذا يوجب على المقاومة أن تستهدف كل روافد القوة في هذا المجتمع الاحتلالي لدفعه إلى الجلاء.

إن اقتصاد العدو هو أحد دعائم استمرار وجوده، ولا بد للمقاومة من التخطيط لاستهداف اقتصاد العدو بشكل ممنهج ومدروس وتصاعدي وتراكمي مستمر. ويعتمد اقتصاد العدو على أنماط الإنتاج المعروفة: الزراعة والصناعة والتجارة، بشكل متساوٍ تقريباً. ويترتب على ذلك أن تستهدف المقاومة أنماط إنتاجه على السواء.

وقد كبّدت المقاومة الفلسطينية العدو خسائر كبيرة ومتراكمة على مدار سنوات الاحتلال، وبرز ذلك في محطات معينة؛ كاستهداف صواريخ المقاومة مستوطنات شمال (إسرائيل) في سنوات السبعينيات، مما حدّ من النشاط الاقتصادي لهذه المستوطنات، والأمر نفسه حصل جرّاء إطلاق صواريخ المقاومة على المستوطنات المحيطة بقطاع غزة في العقد الأخير.

واستنزفت الانتفاضة الفلسطينية الأولى العدو من خلال إجراءات الحماية الإضافية على عرباته العسكرية، وتعطيل العمال العرب عن العمل في منشآت العدو الاقتصادية. كما أسهمت صناعات المقاومة العسكرية من صواريخ وألغام من كشف سوأة دبابات العدو مما ألحق بها خسائر تجارية ضخمة، وكبدت العدو خسائر أخرى بإفشالها ما يسمى بالقبة الحديدية التي لم تتمكن من اصطياد صواريخ المقاومة محلية الصنع. وأفشلت منظومة الرادارات التي اشترتها (إسرائيل) للتصدي لصواريخ حزب الله قبل تحريره لجنوب لبنان.

إن أي عمل منهجي لضرب اقتصاد العدو واستنزافه يجب أن يمتاز بالمثابرة وطول النفَس. ومن الوسائل التي استخدمتها حركات التحرر في هذا السياق: حرق الأراضي المزروعة، وحرق المصانع والمخازن، وضرب المواقع الإلكترونية، والمقاطعة التجارية لكل منتجات العدو حتى لو لم يتوفر لها البديل ما لم يترتب على تركها ضرر أكبر يلحق بالشعب الفلسطيني وليس بالتجار الذين يعتمدون على تسويق بضاعة العدو.

واستئناف العمليات الاستشهادية بطريقة مدروسة بعناية تهدف لشل اقتصاد العدو ودفع المستثمرين للهرب بأموالهم. وضرب المطارات والموانئ ومحطات الكهرباء والتعاون في ذلك مع أشخاص قادرين على الوصول إلى تلك الأهداف. إن استهداف العنصر البشري للعدو أهم بكثير من استهداف المنشآت الاقتصادية، ويؤدي الأول إلى الثاني بشكل ملموس، ولذلك فإن استهداف عناصر الاحتلال مهم ومطلوب، ويتصل باستنزاف العدو اجتماعياً.

32- المقاومة تستنزف العدو اجتماعياً:

حيث يعتمد العدو بصورة كبيرة على مستوطنين يستجلبهم من أصقاع الدنيا لتعويض حاجته للسكان وللأيدي العاملة، ولاسيما أن معدل النمو الطبيعي للمجتمع اليهودي المحتل في فلسطين لا يتعدى ثلث معدل نمو المجتمع العربي. ولنا أن نتصور أثر وقف الهجرة اليهودية على تراجع قدرات العدو وأفول نجمه في سنوات قليلة. ولذلك فإن إحدى أهم مسئوليات المقاومة الفلسطينية هي أولاً: دفع اليهودي في خارج فلسطين لرفض فكرة الهجرة إليها، والزهد فيها طلباً للنجاة وراحة البال وتأمين مصالحه. وبالدرجة الثانية: دفع اليهودي المحتل في فلسطين للهرب منها والبحث عن مكان أكثر أمناً واستقراراً، وأكثر جدوىً اقتصادية. وقد حققت المقاومة الفلسطينية عبر عقود نضالها ضد الاحتلال هذين الهدفين بدرجات متفاوتة، الأمر الذي يستدعي تطوير هذه التجربة وتسديد مسارها وديمومتها.

ومن جانب آخر، فإن امتناع الفلسطينيين عن العمل لدى العدو يضطره لاستقدام أيدٍ عاملة أجنبية، سيؤدي بقاؤها في كيانه لشهور وسنوات إلى خلق مشاكل اجتماعية كبيرة، وارتفاع معدلات الجريمة في مجتمع العدو.

ويشكل فلسطينيو الأرض المحتلة عام 1948 أكبر مشكلة ديمغرافية وثقافية لدى العدو فضلاً عن انتماء الكثير من هؤلاء إلى تيار المقاومة. وأدت إجراءات العدو العنصرية ضد العرب إلى تنامي حالة التمرد على الاحتلال، والعمل على مجابهته في أوساط فلسطينيي الداخل، وأوضاع العدو الاجتماعية مهيأة في السنوات القليلة القادمة إلى تفاقم المشاكل الاجتماعية، مما يهدد مستقبل العدو في فلسطين.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026