رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس مع رحيل الأخ أبو عمار رحمه الله و تغييبه عن عالمنا تسميما دخلت القضية الفلسطينية مرحلة جديدة ومع بداية هذه المرحلة تتزاحم جملة…
رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس
مع رحيل الأخ "أبو عمار" رحمه الله و"تغييبه" عن عالمنا "تسميما"ً، دخلت القضية الفلسطينية مرحلة جديدة. ومع بداية هذه المرحلة تتزاحم جملة من الاستحقاقات تفرض نفسها كأولويات على الجميع.
أولها كيف مات عرفات؟ ولا نقول لماذا مات، لأن الموت حق، ونهاية المطاف لكل حياة، (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْت). ولكن من حقنا جميعاً بل من واجبنا أن نسأل كيف مات أبو عمار؟ فالملابسات والقرائن والشواهد وظروف الوفاة "والتدهور" الحاد المفاجئ في صحته، وفق شهادة المقربين والمحيطين به في المقاطعة في رام الله في مستشفى بيرسي في باريس وشهادة طبيبه الخاص الدكتور أشرف الكردي، كل ذلك وغيره يجعل من إثارة هذا التساؤل طبيعياً ومشروعاً بل وضرورياً. وأنا بحكم اتصالاتي ومتابعتي الحثيثة للحالة الصحية للأخ "أبو عمار" منذ انتكاستها المفاجئة في رام الله ثم في باريس لدي قناعة راسخة وأكيدة أن "إسرائيل" سممت ياسر عرفات، وأن شارون تخلص منه بعملية اغتيال جبانة ومستترة، وأن أعلى رأس في الكيان الصهيوني ارتكب جريمة قتل واغتيال ضد قائد وزعيم يحتل رأس الهرم الفلسطيني ورأس السلطة الفلسطينية التي تشكلت وفق اتفاقات سياسية شهدت عليها دول الغرب والشرق!!
إذاً هي قضية من الوضوح بحيث لا يمكن إنكارها أو تجاهلها والقفز عنها، ولابد من التعامل معها باعتبارها قضية وطنية تعني الشعب الفلسطيني بأسره وبكل فصائله، وليست قضية حزبية تعني فتح والسلطة وحدهما، ولابد من تحميل الكيان الصهيوني مسؤولية هذه الجريمة، وما يترتب على ذلك من تبعات وتداعيات. وأي تردد في ذلك أو تهاون لن يكون مقبولاً ولا مفهوماً إلا باعتباره موقفاً سياسياً مقصوداً، وليس تعبيراً عن حقائق الواقع وعن المسؤولية الوطنية، بل لن يكون مفهوماً إلا باعتباره تجاهلاً أو تبسيطاً لقضية كبيرة خشية أن يؤدي الإقرار بها وملاحقتها والمحاسبة عليها إلى تسميم الأجواء مع الكيان الصهيوني وعصابته الحاكمة له، وبالتالي إلى إفساد مبكر لأجواء التفاوض القادمة مع شارون!!
أما شبهة أنه لا دليل على التسميم، فهي شبهة واهية لا تغيّر من الحقيقة في شيء، فالعدو الصهيوني صاحب خبرة طويلة في الإرهاب وفي هذا النوع الخفي من جرائم الاغتيال عبر التسميم وأمثاله، وفي مصانع أسلحته الكيماوية والبيولوجية يتم إنتاج الآلاف من أنواع السموم الجديدة والمعقدة التي لا يسهل اكتشافها إلا ربما بجهد هائل وبزمن طويل، وأصحاب الاختصاص يعرفون هذه الحقيقة، والتجارب المماثلة القريبة والبعيدة شاهدة على ذلك!!
وثاني استحقاقات المرحلة الجديدة كيف سيتصرف الشعب الفلسطيني وفصائله وقواه وسلطته في مرحلة ما بعد ياسر عرفات؟ كيف سيكون سلوكهم سياسياً وتنظيمياً في هذه المرحلة؟
أما سياسياً فهل رصيد التجربة الفلسطينية الطويلة، وحصيلة أربع سنوات من انتفاضة الأقصى العظيمة، وتجربتنا المرة والقاسية مع الكيان الصهيوني خاصة في عهد شارون وعدوانه اليومي على شعبنا ومواقفه السياسية المتعنتة تجاه حقوقنا، ستدفعنا كلها لمزيد من التمسك بحقوق شعبنا والثوابت الوطنية لقضيتنا، وفي مقدمتها الأرض والقدس وحق العودة، وحقنا في المقاومة والنضال حتى رحيل الاحتلال
أم أن إزاحة عرفات من الطريق بهذه الطريقة تشكل رسالة تحذير وتخويف لمن يأتي بعده حتى يخضع لشروط ومواصفات الشريك المقبول وفق المعايير الصهيونية والأمريكية؟ مع رسالة إغراء مصاحبة، أن شارون سيغير موقفه ويخفف من تشدده مع القيادة الفلسطينية الجديدة، وأن الإدارة الأمريكية ستفتح البيت الأبيض لهذه القيادة بشرط أن تلبي شروط المرحلة وتنهي "التشدد" الفلسطيني، وتقبل بما هو معروض في خارطة الطريق ونسختها المعدلة المتمثلة في خطة شارون لفك الارتباط من طرف واحد، مع تعديل جديد عليها أنها يمكن أن تجري بالتفاهم مع الشرك الفلسطيني الجديد بعد رحيل عرفات .. وفي مقابل ذلك على القيادة الفلسطينية الجديدة أن تقدم بين يدي ذلك ما يدل على حسن النوايا، بدءاً بوقف التحريض ضد "إسرائيل" وتغيير مناهج التعليم والإعلام الفلسطينية، ثم بالتهدئة والهدنة ووقف الانتفاضة والمقاومة، وصولاً إلى القضاء على الأجنحة العسكرية للفصائل ونزع سلاحها!!
هذا اختبار كبير أمام كل الأطراف الفلسطينية المعنية، وهو اختبار يدفعنا للقول بوضوح، إن أي استجابة من أي طرف فلسطيني لرسائل التحذير أو الإغراء هذه على حد سواء هو خطأ كبير بل خطيئة ومقامرة، فضلاً أنها تحطيب بليل وركض خلف السراب وتعلّق بالوهم. فشارون لن يتغير، وموقفه تجاه حقوقنا الوطنية لن يتغير، وكما رضي الصهاينة عن ياسر عرفات في البداية ثم نقموا عليه بعد ذلك، فإن رضاهم الظاهر اليوم عن القيادة الفلسطينية الجديدة هو رضاً مؤقت ومخادع، ولن يلبثوا أن يغضبوا عليها من جديد ويعتبروها إرهابية وغير ذات صلة!! فالصهاينة لا تعنيهم إلا مصالحهم ومطامعهم وتنفيذ مشاريعهم ومخططاتهم، أما الفلسطينيون فالاقتراب منهم أو الابتعاد عنهم ليس إلاً جزءاً من إدارة المعركة ضد الفلسطينيين والسعي الصهيوني المحموم لشطب القضية الفلسطينية وتمزيق الصف الفلسطيني وإجهاض انتفاضة شعبنا ومقاومته، وتحاشي دفع أي ثمن لنضال شعبنا وتضحياته الهائلة التي وضعت الكيان الصهيوني في مأزق كبير!!
وأزيد على ذلك فأقول نحن في حماس ومعنا قوى وجماهير شعبنا في جميع الأحوال لن نسمح بمثل هذه المقامرات الخطيرة والمدمرة، مع أملنا أن رصيد الوعي والتجربة لدى القيادات الفلسطينية المختلفة سوف يجنبها الدخول في مثل هذه المغامرات والمقامرات.
أما تنظيمياً، أي كيف سيكون السلوك الفلسطيني تنظيمياً في هذه المرحلة الجديدة، فإنه كذلك تحدٍّ كبير، واختبار حقيقي، فالسنوات الأخيرة حتى قبل رحيل عرفات رحمه الله كانت تلح على الجميع بضرورة بل وحتمية إنهاء حالة التفرد والاستفراد في الساحة الفلسطينية، وضرورة وحتمية تشكيل قيادة وطنية موحدة على قاعدة الشراكة الحقيقية في القرار السياسي والفلسطيني. فكيف الحال وقد رحل أبو عمار الذي كان له من الرمزية والمكانة ما ليس لغيره، وإذا كنا قد رفضنا سياسية التفرد في مرحلة عرفات نفسها فكيف قد نقبلها في مرحلة ما بعد عرفات؟!
وإذا كان بعض الإخوة في الساحة الفلسطينية يلقي سابقاً باللوم على عرفات وكان يحمله المسؤولية في عدم القدرة على ترتيب البيت الفلسطيني وتكريس المؤسسية وتحقيق شراكة حقيقية مع الفصائل، فهل ستبقى هذه الحجة قائمة اليوم وقد رحل عرفات؟
إن المرحلة الجديدة تفرض استحقاقاً فلسطينياً داخلياً حقيقياً يتعلق بالقيادة وإدارة القرار الفلسطيني. وليس الاستحقاق المطلوب الآن هو ترتيب البيت الفتحاوي فحسب، وإن كنا مع ترتيبه ومع وحدة حركة فتح وابتعادها عن أي تنازع أو صراع، لأن ذلك مصلحة وطنية، ولكننا في ذات الوقت نصرّ على أن استحقاق المرحلة الأهم هو ترتيب البيت الفلسطيني، عبر تشكيل قيادة وطنية موحدة تكون هي مرجعية القرار في الساحة الفلسطينية، وتدير المرحلة بمسؤولية وطنية عامة يشترك فيها الجميع. خاصة أننا أمام مرحلة بالغة الدقة والخطورة،سواء من زاوية ما وصلت إليه تضحيات شعبنا وإنجازات انتفاضته ومقاومته، والحاجة الماسة إلى متابعتها وحسن إدارتها والمحافظة على مكتسباتها وصولاً إلى إنجاز الأهداف والحقوق الوطنية، أم من زاوية مواجهة الموقف الصهيوني بكل مؤامراته ومكائده وعدوانه المتواصل ومحاولاته المتواصلة للعبث بالساحة الفلسطينية أملاً منه في إنهاء القضية ووقف الانتفاضة والمقاومة وفرض الهزيمة على شعبنا في نهاية المطاف.
نعم لابد من قيادة وطنية موحدة لهذه المرحلة، يمكن أن تتشكل بالتوافق في البداية، ثم يجري الإعداد لانتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة وشاملة لفرز هذه القيادة وفق رؤية سياسية جديدة للمرحلة تتوافق جميع الأطراف على معالمها وأولوياتها وبرنامجها السياسي.
ثقتنا ثقة عظيمة أن شعبنا الذي يحمل على كاهله قرناً كاملاً من تجارب النضال والعمل الوطني الجاد سوف ينجح أمام هذه الاختبارات والتحديات، وهو بإيمانه ووعيه العميق وسلامة بوصلته السياسية لن يقبل إلا مساراً سياسياً صحيحاً، وقيادة وطنية موحدة تعكس واقعه وتكون أمينة على حقوقه وآماله.
ونحن في حركة حماس نمد أيدينا ونفتح قلوبنا وعقولنا للجميع في الساحة الفلسطينية، وخاصة مع الإخوة في حركة فتح وجميع القوى والفصائل، من أجل تحمّل المسؤولية معاً وإدارة هذه المرحلة الدقيقة بما يحقق أهداف شعبنا الوطنية ويحافظ على إنجازاته ومكتسباته ويحمي وحدته الوطنية، ويضع حداً للعدوان الصهيوني على شعبنا وينهي احتلاله البغيض لأرضنا ومقدساتنا.
والله سبحانه وتعالى معنا، والأمة كلها معنا كذلك، في هذه المسيرة المباركة والمنتصرة بإذن الله.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع